المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة في الموقع الأساسي مع الصور : مقالات جهاد بزي



Sawtak Archive
19-08-2006, 02:21 AM
البريء تماماً



نقلها abouhmeid بتاريخ : 2005/07/27


مهلاً،
هو بريء تماماً من كل ما نسب إليه. بريء من الحرب وبريء من الاغتيالات. بريء من ميليشيا حكمت بالحديد والنار كما غيرها. بريء من دولة كانت في قلب أشلاء دولة، كما غيرها. بريء تماماً لأنه لم يفعل أكثر مما فعل غيره. قام بالمطلوب منه في زمن كان كل رأس يقوم بالمطلوب منه. يقوم بالحرب، وبأشياء أخرى. لذا، فإن من حقه أن يكون بريئاً مما آل إليه لبنان كما أكثرية الضالعين بما آل إليه لبنان. بريء ومظلوم لأن <<العدل>> نظر فيه وحده وغض النظر عن معظم الباقين.
هو بريء بهذا المعنى وسنواته في السجن كانت ظلماً. لكن ليتمهل علينا. هو ليس بطلاً. هو مجرد رأس لطائفة برؤوس كثيرة، تماماً كما شقيقاتها الطوائف ورؤوسها. هو مجرد أمير من أمراء الحرب خسر معظم معاركه في الحرب وفي السلام. هو لا يختلف عن البقية بشيء. ميزته الوحيدة أن الزمن توقف عند صورته بالبزة العسكرية مخّرجا طلاب <<حربيته>> بينما وضع أعداؤه وأصدقاؤه قناعاً مدنياً طوال سنوات حرب ما بعد الطائف الباردة. ليتمهل علينا قليلاً. هو يعرف إلى أين خرج. هو يعرف تماما من يكون. هو ليس قديساً.

ثمة جرأة لا تصدق في هذا البلد. هذا رجل خارج من السجن، يقف ليقول <<أيها اللبنانيون>>. هل مر على طريق صيدا القديمة في رحلته إلى المطار؟ ثمة ملالات ترابض ليل نهار عند خط تماس الشياح عين الرمانة. <<اللبنانيون>> الذين يتوجه إليهم في خطابه <<التاريخي>> تقاتلوا يوم أصدر المجلس النيابي العفو عنه. <<اللبنانيون>> الذين توجه إليهم لا ينتمون إلى كلمة <<اللبنانيين>> نفسها. نحن ننتمي إلى مجموعات متفرقة من <<اللبنانيين>>. وهو، إذ يبدأ خطابه بالتوجه إلينا عامة من دون تحديد أي <<لبنانيين>> يقصد، فإنه لا يضعنا في مأزق صعب: هو، يتوجه إلى <<لبنانيي>> القوات اللبنانية وشعارها الصليب. لا يحق له بعوني واحد إضافة إلى هؤلاء. لا يحق له بشيعي لبناني إضافي. بسني لبناني إضافي. بعلماني لبناني إضافي. هو بريء لكنه ليس قديساً.

لا يحق له بالتوجه إلى <<اللبنانيين>> جميعهم، هكذا، كما لو أنه فعلاً يقصدنا جميعاً. كما لو أننا فعلاً نعتبر أنه يقصدنا جميعاً. كما لو أنه بريء تماماً من هذه المجاملة التي لا يقبلها عقل أحد من <<اللبنانيين>>.

<<ما زال كما هو>>. عبارة رُددت بفرح أبله في الأيام الماضية. هل من المفترض بنا أن نفرح لأنه ما زال كما هو؟ ألم يكن يفترض به ان يتغير ولو قليلاً؟ بعد 11 سنة وأربعة أشهر وكم يوم، وبعد السطر الرابع من خطابه تذكر الجناحين اللذين لا يقوم لبنان إلا بهما <<فصمموا (المجهولين كافة) على كسر أحدهما واقتلاعه من أساسه إذا اقتضى الأمر>>.

لم يسمّ الجناح بالإسم، ولم يعرف <<اللبنانيون>> عن أي جناح يتكلم، لأن تيار القوات اللبنانية لطالما كان لبنانياً علمانياً غير طائفي، ولأن القضية التي نشأ عليها شبانه وشاباته لم تكن قضية الوجود المسيحي، ولأن الأجنحة المرفرفة في سمائنا لا يبلغ عددها 18 جناحاً تجعل من هذا الطائر الفينيق وحشاً بأجنحة كثيرة ستلصقه بأرض أمراضه إلى الأبد ولن تدفعه إلى التحليق يوماً صوب اي سماء مرتجاة. على البريء تماماً أن يخاطب حصته من جناحه فحسب، لا أن يوهمنا بأنه يخاطب الطير الملعون كله.

لقد عفا الله عما مضى مرة من جديد، وهذا لا يبشر بالخير. فمن عادتنا، كلما عفا الله علينا أن نبدأ بإغضابه. لقد بدأ البريء تماماً خطابه باللازمة المشؤومة نفسها التي تبدأ بها معظم الخطابات السيئة من أعلاها نزولا: <<أيها اللبنانيون>>.

ولقد انتهى باللازمة نفسها: <<عشتم وعاش لبنان>>.

لقد طويت صفحة سيئة من تاريخ لبنان. الآن اكتمل النصاب. سنفتح صفحة جديدة. وستكون، كما بتنا نعرف، أسوأ من الصفحة التي طويت.

الردود:
Rima


لقد طويت صفحة سيئة من تاريخ لبنان. الآن اكتمل النصاب. سنفتح صفحة جديدة. وستكون، كما بتنا نعرف، أسوأ من الصفحة التي طويت.
القادم مع جعجع من الخارج أسوأ من الذي دخل به السجن....

Abo hadi

والله يللي رح يجيبو من برّة خربان بيوت ..
متل ما بيقول المتل " القادم مذهل اكثر "

ASAAD

و انا كمان بقول بريء
بس ما تنسو, ان الله غفور رحيم

Miss Lebanon
ألله يستر

Sawtak Archive
21-08-2006, 09:53 AM
فــــي الانتظــــــار


نقلها abouhmeid بتاريخ: 2005-09-08





كل هذا التعب.


إلى متى ستظل بيروت صالحة لمثل هذه الطريقة من العيش؟
صوت سيارة الإسعاف عند الرابعة صباحا يؤرقني. لا بد أن ثمة خبراً ينتظرني لأستيقظ عليه. لا بد أنه انفجار جديد. أو أنها مداهمات جديدة. أو مفاجأة هائلة لم يحسب أحد حسابها. ماذا ينتظرنا هذا الصباح؟ أي خبر مشؤوم؟ أي خبر؟

منذ الرابع عشر من شباط ونحن نعيش يوما واحدا متكررا. فقدنا متعة الإثارة. أصبحنا سجناءها وصارت وباء جماعيا. أمضينا أعواما كثيرة من دون خبر محلي مثير. أصبنا بالبلادة. صارت الأخبار تأتينا من الخارج وصرنا نتفرج على الخبر ونستغربه كأنه لم يكن عندنا مثله يوما. عشنا سلاما ما، وإن كان كاذبا. لكننا خسرنا سلامنا.
فجأة انهالت علينا كل الأخبار، أخبارنا. لم يعد لدينا القدرة على استيعابها. لم نعد قادرين على مجاراتها. لم نعد نحتمل سرعتها.

حكايات الحرب كثيرة. قيل إن اللبنانيين يومها أدمنوا الأدوية المعالجة للأعصاب. مساكين لبنانيو الحرب. كان الواحد منهم حين يخرج إلى عمله يفكر أن عودته إلى بيته حيا مجرد احتمال. مساكين لبنانيو الحرب. كان الواحد منهم يحمل عائلته على كتفه ويهرب بها بعيدا. وحين تقف النار قليلا يركض إلى بيته ليتفقده فيجده خرابا. كانت المدرسة خطرا والشارع خطرا ومركز العمل خطرا. عاشوا في الخطر. مساكين لبنانيو الحرب. عاشوا أهوالا كثيرة. كانوا بحاجة إلى الهرب وإلى أدوية الأعصاب.

كل هذا كان قد تغير. كان لبنان طوال 14 سنة بعد الحرب غارقا في مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية تعانيها كل هذه البلاد التي ليست بلاد الغرب. لكنه لم يكن في حالة حرب. هل هو في حالة حرب الآن؟

هو في حالة انتظار. لبنان، منذ الرابع عشر من شباط، ينتظر. يقفز من انتظار ليقع في انتظار. انتظار استقالة الحكومة. انتظار الحكومة الجديدة. انتظار اعتذار الرئيس المكلف الذي كان قد استقال قبل التكليف. انتظار تقرير لجنة التحقيق والتقصي. انتظار الانتخابات النيابية. عودة الجنرال. خروج الحكيم. لائحة الاغتيالات. الحكومة الجديدة. لجنة التحقيق الدولية. تقرير لجنة التحقيق الدولية. مصير رئيس الجمهورية. مصير لبنان وسوريا. انفجار. اغتيال. تظاهرة. انفجار. اغتيال... كلام عن شؤم في السماء. خوف من حرب أهلية. انتظار حرب جديدة. بلد على فوهة بركان. خبر عاجل. خبر عاجل. خبر عاجل.

... كل هذا التعب.
<<اعطيني خمس دقايق بس اتسمع عالموسيقى>>.
أكتشفه من جديد، عمل فيروز وزياد الرحباني <<ولاّ كيف>>. أنصت إليه. ثمة سماء واسعة لا أنتبه إليها إلا لماما. اتفرج على غيومها حين ينقطع التيار الكهربائي عن بيروت آخر الليل ولا يبدو الانقطاع مجرد عطل تقني. أتفرج عليها الآن وفيروز تغني. أيلول عاد. شهر الكآبة هذا لا ينفك يعود كل سنة في موعده. يأتي ببيروت تخصه وسماء تخصه وعطر هواء يخصه. يأتي بفيروز له وحده.

<<بتذكرك كل ما تجي لتغيم
وجك بيذكر بالخريف
بترجعلي كل ما الدني بدها تعتم
متل الهوا الي مبلش عالخفيف>>...

متى كتب زياد الرحباني كلمات هذه الأغنية؟ في أيلول ربما. في لون ايلول الرمادي. كل هذا الجمال! أليس صوت الموسيقى أحلى من أصوات الانفجارات؟
أليست فيروز أحلى من كل الأخبار؟ أليست كآبة ايلول أحلى من كل الانتظارات؟

كل هذا التعب.
لربما نحن بحاجة إلى أن ننام ريثما ينجلي كل شيء ونعود إلى حالة الخدر التي كنا نعيشها قبل 14 شباط. لربما نحن بحاجة إلى التوقف عن عادة الانتظار المقيتة. لربما نحن بحاجة إلى التخلي عن أدنى شعور بالحشرية تجاه ما يحدث..

علينا أن نمتنع عن انتظار المجهول. علينا أن نمتنع عن التخوف مما سيأتي. علينا أن نصل إلى حيث صوت فيروز، فنستمع إليه. علينا أن نصل إلى حيث ثمة كتاب ممتع لنقرأه. علينا أن نسلي أنفسنا بأي شيء يمنعنا عن مجرد الانتظار. وفي انتظار أن تنتهي حالة الانتظار التي نعيشها، علينا أن ننتظر. نحن لن نجيد إلا الانتظار.

وفي انتظار ما سيؤول إليه المجهول، ثمة سؤال أخير: ما اسم أدوية الأعصاب التي كان لبنانيو الحرب يتعاطونها أيام الحرب؟ أولئك المساكين؟

Mada
21-08-2006, 04:06 PM
يا أم الناس
جهاد بزي




كأنها يد هائلة. لا تتعب. ترتفع عالياً وتهوي. تضرب على كتف الأم الجميلة. في كل ضربة يسقط مبنى، يتناثر غبار. يُسحق بشر. اليد تضرب وتضرب. من سيتعب أولاً يا أمي؟ من يستسلم أولاً، يد إسرائيل، أم ركبتاك؟ هل تركعين؟
هذه عيادة محمد، طبيب الأسنان، إبن خالتي. على بقايا هذا الكرسي الذي أراه الآن من الشارع عذبني وعذبته، ووعدته مراراً بالعودة لمتابعة علاج اسناني، وخرجت ولم أعد.
هنا بيت أخي. في مكان ما من من هذه التلة تقع غرفة سارة. لها وحدها غرفتها ولأشقائها الأربعة كلهم غرفة. أراها. الغرفة التي توضب فيها ألعابها وثيابها وكتبها وحكاياتها. إبنة العاشرة التي كتبت قصة بالإنكليزية وأرسلتها لي بالبريد الإلكتروني. المحجبة الحلوة كقمر. سارة التي تحمر خجلاً كلما سألتها أن تسمح لي بقراءة دفتر مذكراتها وترفض. دفتر مذكراتها هنا، في هذه التلة.
هذا المبنى أعرفه. أسمع صوت أبي في أرجائه وهو يرتفع طابقاً طابقاً. اسمع أبو محمد ينادي على عماله ويشتم ويضحك ويمازح ويحوك المقالب. أحلى لحظات عمره حين يكون في الورشة، يشيل الأشياء ويحطها. يروح ويجيء حتى لو لم يكن هناك ما يفعله. يفاخر بأنه <المعلم> الذي لا مهندس ولا صاحب بناء يعرف كما يعرف. وكلما أخذني معه ولداً إلى الورشة كي يقسو عودي وأعرف معنى العمل، امضي وقتي أغسل يدي كلما لمست حجراً. ضجر مني ولم يضجر من عشقه للورشة. ابو محمد. ثلاثة ابنية رفعتها يداك في شارع واحد صارت ركاماً يا أبي. أرى الركام وأرى يديك فيها. يداك قويتان وما زالتا تصران على كباش إبنك طارق ذي العضلات المفتولة وهزمه. أعلم أن يديك أقوى من يدي إسرائيل يا أبي. يداك مباركتان. تبنيان.
هل هدت الضربات كتفيك يا الأم الجميلة؟ هل ركعت؟ على هذه الشرفة كنت أمضي وقتي أنظر إلى تلك الفتاة وتنظر إلي. ساعات. تنتظر مني ولو إشارة يتيمة، وأنا لوح الخشب الخجول. لو نطق هذا الركام لحكى قصصاً عن خجلي. وحين لوحت لها بيدي، وضحكت ولوحت لي، كان قد آن الأوان لنعود إلى الصفير من نزوحنا القسري الطويل إلى حارة حريك. نجت الصفير من يد إسرائيل. المبنى الذي نزح منه أبي وأمي في الشهر الطويل لم ينج من اي من حروب لبنان. كان ابي قد رممه اخيراً. أعاده جديداً. وتفاخر بعمله حتى أتخمنا. خفت على هذا المبنى. فيه عمري. في مصعده وقفت على رؤوس أصابعي ومددت كل ساعدي لأطال زر الطابق الثاني. خفت على صندوق الصور التي كان ابي ينقذها في كل مرة يعود إلى بيته ويمشي فوق ركامه. الصور التي مزقت معظمها شظايا الحروب الماضية ومنها اجتياح .82 صندوق حياة هذه العائلة بخير. أنت بخير يا أم الناس. لم تركعي.
هل ترينهم؟ هؤلاء يملأون عليك صباحك. يكنسون شوارعك. إبنك المرتبك يسجل اسمه متطوعاً ويعترف أنه لا يجيد أي عمل. طالب ثانوي يقول. أطفالك يلعبون بالكرة في الشارع الذي كنسوه للتو. أولادك يتزاحمون على التطوع من اجلك. خليط من كل أولادك. عادوا ليملأوا عليك حياتك. صاحب المتجر جلس على كرسيه امام محله المنكوب، كما كان يفعل يومياً. عاد وجلب عادته معه. عجقات سيرك عادت. ضجتك عادت.
من أين لك هذا يا مدينة؟ من أين لك كل هذا؟ الرجل يجلس القرفصاء امام مبناه ليبحث عن بيته في الطابق الخامس. يصنع بسبابتيه دائرة وهمية تحيط <ببيته>. هذه الغسالة، يقول لمن معه ويضحك. ينفض كفيه ويقوم ضاحكاً. ليس مهماً. المهم أننا كدناها. كادوها. تعرفينها. دولة إسرائيل. أولادك كادوها. غبارك كثيف. لكن لا رائحة للموت فيك. ها الماء راح يجري فوق شوارعك وفي شرايينك. ستغتسلين من كل ما حدث. مر عليك الشهر وحدك فاعذريهم. لو بيدهم لحملوك على ظهورهم. الآن عادوا. هذا الغبار لن يطول. أنظري. آلاف الأكف تربت على كتفيك. آلاف الأكف تمسح على جرحك. فلا تحزني يا أم الناس، وابتسمي.

jafra
21-08-2006, 05:24 PM
مقال رائع و جهاد بزي صحافي ممتاز و اسلوبو كتير حلو

Sawtak Archive
24-08-2006, 12:15 AM
مقال: الحذر والحيطة مضاعفان في مسيرة هائلة تقع بين "شباطين"هي حكاية الحب من النظرة الأولى بين "حزب الله" وبين جماهيره



جهاد بزي

جريدة السفير اللبنانية-السبت 11/2/2006

قبل أيام طُرق باب منزل في مبنى يقع في شارع "إده" في محلة "صفير". الساعة كانت الحادية عشرة ليلاً. سألت سيدة المنزل من خلف الباب المغلق عن الزائر فأتاها الصوت: "نحن من حزب الله ونعتذر عن الإزعاج". لم يطلب الصوت منها أن تفتح الباب. كان يريد أن يعرف الإسم الثلاثي لصاحب المنزل ومعلومات أخرى قليلة. وما لبث الصوت أن اعتذر ثانية وغادر متابعاً جولته في المبنى.

صباح الخميس الفائت، رُكن كرسي بالقرب من بوابة المبنى نفسه تناوب على الجلوس عليه أكثر من شاب. ثمة لائحة مطبوعة تحمل أسماء اصحاب المنازل الثلاثية. وكان على أحد الداخلين إلى المبنى أن يخضع لامتحان صغير يؤكد معرفته بالقاطنين في البيت المذكور ومعلوماته حول تاريخ مجيئهم إليه. هذا قبل أن يفتش يدوياً ثم يسمح له بالمرور.

موقف المبنى نفسه خضع لأكثر من تفتيش دقيق في الصباح نفسه وأثارت سيارة بيضاء ريبة شبان الحزب فطرقوا على الأبواب عند السادسة صباحا ليعرفوا لمن تكون.

شارع إده يشبه نصف دائرة. المبنى يقع في القسم الأول منه، ويمتد ملعب الراية على طول النصف الثاني. في العاشر من محرم، كان الشارع في قلب مربع الحذر الأقصى. الشارع المقطوع عند طرفه الأول منذ ساعات الليل الأولى، توقفت في عرضه، وفي أكثر من نقطة فيه، حافلات نقلت المشاركين من المناطق البعيدة. مثل هذا التدبير يوحي بنوع واحد من الخوف: السيارات المفخخة.

المبنى والشارع نموذجان لما كانت عليه مباني وشوارع الضاحية الجنوبية التي ستكون مسرحاً للمسيرة الحسينية. شرائط صفراء تمتد على جوانب الطرقات مانعة السيارات من التوقف. شوارع فرعية انتصبت أمامها الحواجز الحديدية. منصة في ملعب الراية تختفي تماماً تحت خيمة زرقاء هائلة تحجب عن العيون الطرق السرية التي سيسلكها موكب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. عناصر تضع على صدورها بطاقات تعرف بوظائفها من "انضباط" و"تنظيم" و"تشريفات"، وعناصر أخرى، أكبر سناً وأعلى مرتبة ومسؤولية، تقف بثيابها المدنية السوداء تراقب وتتحدث عبر الهواتف. عناصر مراقبة أخرى احتلت سطوح الأبنية، ترفرف بالقرب منها رايات صغيرة زرقاء لا تحمل أي شعار. رايات تخص المناسبة الأمنية ولا دخل لها بالمتظاهرين، لكن الأكيد أن لها علاقة بحماية أمنهم. شبان ينتقون عشوائياً متظاهرين ويفتشونهم، بعدما يكون هؤلاء قد خضعوا لأكثر من تفتيش عند نقاط الدخول إلى سيل المسيرة.

الكلام أعلاه هو ما تراه العين المجردة من رأس جبل الجليد. أما الآلة المهولة التي تنظم دقائق أمور هذا النهار، وأمنه بالدرجة الأولى، فتبقى طي كتمان حزب الله، وهو حزب حين يأخذ أمراً ما على عاتقه، ينجح في تأديته على أكمل وجه، فكيف إذا كنا في الضاحية الجنوبية، في التاسع من شباط 2006، بعد أربعة أيام على مهرجان الجنون في الأشرفية وقبل خمسة أيام على اكتمال دورة العام المشؤوم...

لوهلة، فإن مثل هذه الإجراءات المعقدة التي تبدأ آلة الحزب العمل عليها قبل ايام من موعد المناسبة، تبدو مزعجة. لكن لمن؟ الحزب يلعب في "ملعب الراية"، اي على أرضه وبين جمهوره. وليس هناك فريق ضيف إلا الخطر الأمني. هكذا، فإن الحزب ينظم مسيرة لأبناء هذا الخزان البشري بالدرجة الأولى، ويعمل على حماية الجمهور نفسه من أي خطر محتمل. وأيضاً، فإن الصورة التي انطبع فيها شبان حزب الله منذ نشأته، صورة الشبان المتواضعين الشديدي التهذيب ما زالت هي الصورة ذاتها، بعد تجديد أجيال شبانه ونمو عددها باضطراد، وصورة المهذبين هذه هي واحدة من الأسباب التي جعلت الطائفة الشيعية تقع في غرام حزب الله من النظرة الأولى.

يوم عاشوراء في الضاحية الجنوبية يبدو عبئاً على حزب الله في المقام الأول. وعلى ما يبدو، فإن أمر الخميس قال بمضاعفة الحيطة والحذر. ومن السهولة بمكان على عناصر تتمتع بانضباط لا نجد مثيله لدى قوى نظامية، أن تنفذ التعليمات بحذافيرها. وبخلاف الأساليب اللبنانية التقليدية في العمل، نحن نجد هنا شباناً من المستحيل أن يتخطوا حدود المهمات الذين أوكلوا بها.. ويكادون يضيقون ذرعاً بأي سؤال استفسار يوجه إليهم لكنهم يجيبون بأقل ما لديهم من كلمات، ويستخدمون أحياناً جملة أيقونية نادرة في القواميس العربية: "لا أعرف.. عليك أن تسأل في مكان آخر". هو عبء إذاً، لكنه عبء يفاخر به هذا الحزب. لذا، فإن السوال عن عدد المشاركين في اليوم العاصف الممطر سيجعل وجه أحد المنظمين مشرقاً ويجعل ابتسامته عريضة: خير الله...

خير الله الذي نزل من السماء، قابله فيض من البشر لا أحد يعرف متى أفاقوا واستعدوا ونزلوا إلى الشوارع. جادة هادي نصر الله ممتلئة بالناس منذ بداية تلاوة المصرع الحسيني، ثم هادرة بالبشر بعد نهايته. معظم ناس الضاحية في شوارعها. هو خليط هائل من البشر. شيوخ وأربعينيون يحملون اولادهم على اكتافهم وشبان ملتحون يوحون بالتزام ديني او شبان آخرون بقصات شعر توحي بالتزامهم الدقيق بالموضة وإن اقتصرت على اللون الأسود. أولاد وأطفال و.. ونسوة.

من أين تأتي كل هذه النسوة؟ تأتي من أكثر من شارع فرعي يرفد جادة هادي نصر الله وتمشي في آخر المسيرة. إذا ما وقفنا في نقطة معينة، وبدأنا عد الدقائق من الدقيقة الصفر، فإن تدفق النسوة من شارع قاعة سيد الشهداء إلى الجادة سيستمر أربعين دقيقة كاملة. كذلك سيحصل، مع عدد مماثل من المشاركات، في شارع آخر مواز للأول.

هن يتدفقن إلى جهتي الذهاب والإياب من الجادة. نهر من قماش أسود ومظلات ملونة. مشهدهن العام محجب، لكن في تفاصيل الصورة المئات من الشابات غير المحجبات اللواتي لففن أعناقهن بالكوفية الخاصة بالحزب بينما ارتدين ثيابهن اليومية. ولا يبدو عليهن أي شعور بالغربة في هذا المجتمع، بل يذبن فيه مثلهن كمثل من يرتدين العباءات. لا فرق.

في الصورة المئات من غير المحجبات لا ينتمين إلى جيل محدد بدورهن، بل مراهقات وعشرينيات وصولاً إلى الأمهات منهن. وحين كانت السماء تفتح أبوابها بين فترة وأخرى، كانت مناصرات حزب الله العاديات والمحجبات يكتفين بالمظلات ويتابعن المسيرة التي وصلت إلى مشارف ملعب الراية بينما هن بعيدات، ما زلن في المشرفية. أما من تخلف من النسوة عن المسيرة فعدده كان كافياً ليملأ المساحة المخصصة له خلف الرجال في الملعب الموحل المرصوف بآلاف الكراسي.

لم ينس السيد يوماً ان يشكر ناسه، لكنه، في هذه المرة أطال في كلمة الشكر لهم. بدا كأنما فوجئ بأنهم لبوا دعوته. الرجل متواضع على عادته. من المضحك أن يقال إن مثل هذا الحشد قد يفاجئ "السيد حسن". الرجل يعلم أن من المستحيل على جمهوره تخييب ظنه. يكفي أن يطلب ليلبوا. ومن ناحية اخرى، لا يبدو ان هؤلاء كانوا ينتظرون من السيد أن يشكرهم. أن يلبوا نداءه فليس هذا واجبا يشكرون على تأديته، بل حماسة للقاء سيدهم الشاب حتى في واحد من أسوأ أيام شباط. وهم يعلمون أيضاً ان السيد لا يخيّب ظنهم.. وأنه، إذا ما دعاهم إلى النزول جميعاً إلى الشارع، فسيكون قد أعد لهم ما استطاع ورجاله لحمايتهم من أي مكروه. لم يتخلفوا يوماً عن الموعد معه. هو الحب من النظرة الأولى. وحكاية الحب هذه ما زالت حكاية ناجحة.

وهي، بالطبع، علاقة ثقة متبادلة.

لم يكن صوت السيد قد ارتفع حين اقترب ولد وصديقه يسألان عن وجهة طريق المطار. هما يقفان الآن في شارع إده على ضفاف ملعب الراية. يرتديان ثياباً سوداء ويضعان عصبتين كتب عليهما: "لبيك يا محمد". يجهلان المكان ويريدان العودة إلى بيتهما بالقرب من مسجد الرسول الأعظم. يمشي واحد منهما بعيداً ويظل الآخر ليستفسر. نسأله: لماذا تريد الذهاب الآن؟ ألا تريد أن تسمع "السيد"؟

"السيد مين؟.. السيد حسن؟" يسأل وقد فتح عينيه واسعتين. أجل، نجيبه، وسيحكي بعد قليل. وكمن أصيب بمس كهربائي، انتفض جسده والتفت حوله ثم هرول صوب صديقه ليخبره. الصبيّان مشيا مع حزب الله. وجدا نفسيهما في منطقة لا يعرفانها. كانا يريدان العودة إلى طريق المطار. ما إن علما أن السيد سيحكي حتى نسيا المطار... ونسيا طريقه.

KATYA
24-08-2006, 06:32 AM
بواسطة: jafra

تاريخ: 2006-07-31


حين تصل السيارة إلى المفترق الذي يؤدي من صيدا إلى صور، تكون السماء قد انكشفت. الآن صرنا تحت تلك العيون الخفية في السماء. من بيروت إلى خلدة إلى الناعمة إلى المختارة فباتر إلى جزين في الجنوب لنصل إلى صيدا.. رحلة النصف ساعة من خلدة إلى صيدا تستغرق أكثر من ساعتين، مع أن السيارة تنهب الأرض. الرحلة تظل عادية هادئة، إلى أن نأخذ طريق صور من صيدا.. حيث سترافقنا السماء التي تهدر كثيراً.. وسيرافقنا الدمار.
ستنقلب الصورة. حفر هائلة في منتصف الطريق، نمر عند طرفها الأقصى. سيارات مقلوبة. دمار يمشي إلى يسارنا وبحر يمشي إلى يميننا. ماذا الآن؟ نحن تحت عيونهم. معادلة الطائرة الخفية في السماء والسيارة المدنية على الأرض بسيطة وسهلة. إذا قرر الطيار أن يقتلنا فلا شيء سيثنيه. لذا عليّ الآن أن أفعل شيئاً واحداً: أن أقود السيارة.
تنتهي الطريق في مكان ما، نلتف شمالاً وندخل في جبل من الغبار. طريق شقتها الحرب اضطراراً تمر في قلب منتزه بوابته مفتوحة. والتراب الأصفر في الأرض تثيره الدواليب فيطير ويصنع غيوماً تمنع الرؤية تماماً. امامنا يمشي باص كبير يقف فجأة لينزل منه رجلان يحملان اكياساً على اكتافهما. أفكر في المكان الذي نذهب إليه. إلى مذبحة يوم الأحد. الوقت الآن الواحدة ظهراً. اليوم سأرى جثثاً لأطفال بعيني المجردتين؟ لم أر مثل هذا من قبل. لم أقد سيارة تحت سماء يهدر الطيران فوقها من قبل. لكن المرة الأولى كانت سهلة. ماذا عن رؤية طفل قتيل؟ أيهما يخيف أكثر. الطائرة في السماء أم الطفل الميت على بعد أمتار مني؟
نخرج من جبل الغبار ونعود إلى الطريق الرئيسي. الحواجز البلاستيكية التي تظهر في طريق وتختفي عن آخر هي التي تحدد رحلتنا. نصل إلى صور، ولا أعرف في اي قرى مررنا. لكن صور مهجورة. نبحث عن ناس فنجد عناصر جيش لبناني ملتحين ومتعرقين يجلسون في مدخل مبنى. نسألهم عن الطريق السالك إلى قانا. يدلوننا. نتابع. وفي الطريق الصاعد إلى بلدة المذبحتين، نلتقي بموكب كبير لقوات الأمم المتحدة يصعد بجرافة إلى حيث المذبحة. السماء باتت آمنة إذاً، لكن المجزرة تقترب.
قانا منهوبة. بيوت صارت ركاماً. امضت القرية واحدة من أسوأ لياليها. سنعرف ذلك لاحقاً، حين يقال لنا إن تسع ساعات فصلت بين سقوط البيت على الأطفال وذويهم، وبين وصول أول سيارة إسعاف إليهم.. لأن الطائرات لم تهدأ للحظة كل الليل.
<وين المجزرة؟>، سؤال لا يحتمل تأويلاً. القلائل الذين يقفون امام بيوتهم يشيرون إلى الطريق. نمضي. نصل طريقاً فرعية. ارتال سيارات للصحافيين ولقوات الأمم المتحدة متوقفة على جانبي الزقاق الضيق. المجزرة على بعد خطوات. ننزل من السيارة ونمشي.
تأخرنا عن المجزرة. الصحافيون والعسكر والمسعفون كالنمل، ابناء القرية قلة. يبحث العسكر والمسعفون في ما تبقى من الطابق الأرضي حيث أمضى أطفال ليلتهم الأخيرة. ينكش العسكر في تراب يبدو صلباً. كأنما ينبشون مقبرة جماعية عتيقة. يشدون فراشاً. يسحبونه من تحت الركام، لكن لا أحد ينام مقتولاً عليه. البيت يقف عند حدود حي الخريبة في قانا. أمامه الوديان. لا جثامين هنا. امشي صعوداً.. إلى البيوت القديمة الحجرية المحيطة بالبيت المهدوم.
أسمع هدير الطائرات وأرى حي الخريبة. هو ليس مجرد مجزرة. فيه عناقيد عنب تتدلى من عرائش. فيه ارض مزروعة بالتبغ الأخضر وعلى سطوحه تنتشر كسبائك الذهب شكات التبغ التي أيبستها الشمس. الحي الصغير تختلط فيه البيوت بالأرض المزروعة. وتختلط في البيت الواحد جدران الباطون وجدران الحجر الصخري القديم. والبيوت بعضها أبوابه مغلقة وبعضها مشرعة ابوابه. في داخل بيت تنتصب ناموسية بيضاء فوق سرير كبير.. وفيه براد بابه مفتوح وكل ما فيه تعفن. وفيه سجادة صلاة مطوية وفوقها قرص صلاة. وفيه دراجة بثلاثة دواليب. وفيه عربة اطفال. وفيه قرآن مفتوح على سورة الحديد. ليست صدفة أن يكون القرآن مفتوحاً على هذه السورة. يقال إنك إن فتحت الكتاب الكريم عليها، فإنك تحمي البيت من الدمار. في بيت ثان مفتوح الباب، القرآن مفتوح على سورة القدر.. في الباب الثالث المقفل المكسور الزجاج، ترتفع سورة الفلق فوق الجدار. في كل البيوت دراجات صغيرة وعربات اطفال. من بيت إلى بيت، من اين تنبت كل هذه الدرجات وعربات الأطفال؟ ربما تلفتني أكثر من اغراض البيت الأخرى. أراها. لكنني لا أرى ناساً. الحي الصغير من قانا نزح اهله. ومن بقي فيه اختبأ في الملجأ المهدوم ليلاً.. لا أحد بقي في حي الخريبة.
نغادر قانا إلى مستشفى صور الحكومي. هناك أحكي مع محمد قاسم شلهوب. يعدد وأكتب الأسماء من بعده: حوراء، علي، يحيى، قاسم، زهراء. اسأله عن أعمارهم فيشير بإصبعه على الدفتر. تمشي إصبعه فوق الأسماء، وعند كل اسم يقول رقماً: .2 ,7 ,9 ,10 ,12 هذه عائلته. أمهم خديجة يونس راحت معهم. صار وحده.
أعود إلى بوابة المستشفى. هناك تقف الشاحنة المبردة. المصورون الصحافيون يطلبون من عسكري يقف عند بابها المشرع أن يسمح لهم بالصعود إليها ويفعل. أمد يدي إليه ليرفعني. أقف عند باب البراد فأرى أجساداً ممددة على أرض الشاحنة ملفوفة بالقماش والنايلون. اسمع صوتاً من خلف مجموعة من المصورين المتحلقين يقول: <عمرها سنتان. انظروا>. أقترب. أرى يديه تعالجان أحد الأجساد. ربما هو يكشف عن وجه الطفلة. لكنني لا أرى منها شيئاً. لا أرى وجهها. فقط يلفح وجهي صقيع البراد، وتلفح وجهي تلك الرائحة.
أقفز من الشاحنة من دون أن أرى وجه الطفلة المقتولة ولا وجه أي طفل آخر. ذهبت إلى قانا ولم أر بعيني المجردتين وجه طفل قتيل. أرتاح قليلاً. لكن تلك الرائحة تسحق عنقي.. هل هكذا تصير رائحة الأطفال حين يُقتلون؟
جهاد بزي

jafra
17-01-2007, 08:11 AM
الموقف من حزب الله هو "شيطان التفاصيل" التي يعشقها "الرفاق"
كيف يلتقي اليسار باليسار...و الاختلاف يفوق المشترك بينهما

جهاد بزي
في التاسع والعشرين من تموز، وفي خضم هجوم قوى 14 آذار على «خطيئة» «حزب الله» وعلى سلاحه و«ارتباطه السوري الإيراني»، نشرت صحيفتا «السفير» و«النهار» رسالة وقعها الياس خوري وزياد ماجد، وهما اساسيان في حركة اليسار الديموقراطي، عبّرا فيها عن ألمهما لما يقال في اوساط بعض قوى 14 آذار واعتبرا ان الاولوية الوطنية اليوم لمواجهة العدوان الاسرائيلي.
تلك الرسالة لم يشعر بها، على الارجح، فريق 14 آذار حتى لو سقطت من اعلى نقطة ممكنة على ظهره. في قلب هذه المعمعة، هي مجرد موقف من مثقفين اثنين لا يحلان 14 آذار ولا يربطانه. قارئ واحد ستتجه إليه الأنظار: أمين السر لحركة اليسار الديموقراطي النائب إلياس عطا الله. عطا الله كان يشن الهجوم نفسه الذي يشنه حلفاؤه في 14 آذار. أكثر من ذلك، فإن الماركسية تحولت الى زاد مكّنه في التحليل والخطابة، من التفوق على حلفائه، حتى «الصقور» منهم. لم تكن الرسالة انشقاقاً في هذه الحركة التي ما زالت تأسيسية. كانت تريد تصويب الوجهة اليسارية الديموقراطية.
رسالة عتب هي ما استطاعه القياديان اللذان قررا ان ينشراها بعدما خاضا نقاشات في موقف الحركة. ولما كان مسموحا لمن في الحركة ان ينشر، ولما رأيا أن إضافة اسماء يساريين ديموقراطيين أخرى إليها قد يوحي بأن الحركة تنشق فعلا، كتبا ووقعا ونشرا... وحدهما.
في المقابل، كان الحزب الشيوعي اللبناني، يدعو محازبيه واصدقاءه الى الاستلهام من تجربة جبهة المقاومة الوطنية في العام ,1982 هو الذي بدا منذ اليوم الأول يخوض الحرب كتفاً الى كتف مع حزب الله، بما استطاع الى ذلك سبيلاً.
حزب الله
لم يتردد الحزب الشيوعي في التفكير إذاً. قبل الحرب كان يقترب بهدوء وثقة من تفاهم بين حزب مقاوم، وبين تيار يدعو إلى العلمنة. المقاومة والعلمنة ركنان اساسيان عند الحزب العتيق. وحزب الله عدو بالفطرة للولايات المتحدة الأميركية. غض الحزب النظر عن الحالة الطائفية. هذا نقاش آخر. لم يعد باستطاعة الشيوعيين مقارعة طواحين الهواء. ثمة تنازلات لا بد منها، لكنها لن تكون فاقعة. الحرب ونتائجها جعلت الحزب الشيوعي يتخلى عن كل ما تبقى من حذر.
في الذكرى الثانية والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي، وقف امينه العام خالد حدادة ليشن أشرس هجوم على قوى 14 آذار، معتبرا ان تبريرهم للعدوان الاسرائيلي او محاولة توظيفه او تحميل مسؤولية وقوعه لحزب الله والتلويح بمحاسبته على اسر جنديين اسرائيليين، «ان كل ذلك هو بالمنظور الوطني جريمة وطنية تلامس الخيانة، لأنهم بالأصل يعرفون أسباب العدوان واهدافه».
قوى 14 آذار خائنة في رأي الحزب الشيوعي. اليسار الديموقراطي واحد من هذه القوى، وزياد ماجد، نائب امين السر لليسار، أحد أشد الأصوات هدوءاً في 14 آذار، يتحدث لـ«السفير» عن الخطأ الذي وقعت فيه هذه القوى ويقول إن كلامه يعبر عن رأي شخصي وليس عن موقف للحركة: «اعتقد أن 14 آذار أخطأت في مكانين:
أولاً، الحرب ليست كالسياق السياسي الذي يسبقها. هي لحظة التوتر الاقصى وما يصلح قبلها لا يصلح خلالها. أي أننا إذا كانوا قبلا يحذرون من ان سلاح حزب الله يخيف الطوائف المتبقية ومن الممكن ان يدفعها نحو مغامرات او رهانات او تسلح، وان هذا السلاح من الممكن ان يسبب حرباً، فإنه، عندما وقعت هذه الحرب، لم يكن يفترض بهم ان ينسوا هذا الخطاب، وان يقولوا أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكن كان يجب البدء برؤية المتغير الذي هو العدوان الاسرائيلي على البلد. حزب الله اطلق شرارة الحرب بمعزل عما اذا كانت محضرة او غير محضرة. كان من المفترض على اكثرية قوى 14 آذار أن تقف أمام انكشاف الوضع في لبنان على هذه الحرب وانكشاف هشاشة العلاقة اللبنانية الاميركية.
ثانيا، إذا التقينا لاسباب مختلفة مع الاميركيين الذين انهوا تفويض السوريين في البلد ونحن نريد اخراج السوريين منه، فهذا لا يعني ان اصطدامنا بحليف اميركا الاول في المنطقة، أي اسرائيل، إبقاء الغطاء الاميركي موجوداً. هذا يفترض اعادة نظر بطبيعة الخطاب تجاه الاميركيين. ليس الشتم بل يمكن أن تكون هناك مقاربة علمية يقرأ فيها أن الموقف الاميركي سيبقى عنصراً مغطيا لاسرائيل. هذه كانت تتطلب موقفا واضحا من الاميركيين، وما يقولونه الآن انهم ضد المحور الاميركي الغربي كما هم ضد المحور السوري الايراني، كان من الممكن قوله في اليوم الاول للحرب بصوت اعلى كثيرا».
ما يرَه حدادة رهاناً على المشروع الأميركي يسمِّه ماجد ارتباكاً وقع في الايام العشرة الأولى. يقول: «كان يفترض ان يكون هناك شعار واحد: وقف العدوان الهمجي الاسرائيلي. نقطة على السطر. ولم يكن هناك ضرورة لتأخير المطالبة بوقف العدوان ولا القول بان وقف اطلاق النار ينبغي ان يرافقه انتشار قوات دولية او جيش لبناني.
لم يكن بامكاننا القول ان لا علاقة لنا بما يحدث. ربما لم يكن لنا علاقة بقرار الحرب، لكن لنا علاقة بشعبنا الذي يُقصف. لا نقدر على القول اننا جزيرة ولا نريد ان نكون ساحة. نحن جزء من الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي بيان البريستول الذي اسس لحركة 14 آذار، قبل ان يستشهد الرئيس رفيق الحريري، هناك مقطعان واضحان عن موقع لبنان في الصراع العربي ـ الاسرائيلي وعن دعم القضية الفلسطينية وان لا حل في المنطقة من دون حل عادل، ورفض كامل لاتهام حزب الله بالارهاب وحمايته واحتضانه، مقابل ان يبحث موضوع السلاح. كان يفترض التركيز على مثل هذا الكلام، أي عدم ترك أي حجة لحزب الله للقول إنه في الداخل لم يكن هناك جبهة متماسكة ضد اسرائيل. هذا لن يكون دعماً لحزب الله، فمن حق قوى 14 آذار وجمهورها ان يكونا غير داعمين لحزب الله في السياسة، لكن موحدين بشكل حاسم ضد اسرائيل.
من هذا المنطلق، يقول ماجد، «نشرت رسالتي مع الياس خوري، لأنه برأينا لم يكن الخطاب كافيا في وضوحه». لكن ماجد يقول الآن، وقد انتهى العدوان: «المطلوب من حزب الله ان يقدم كشفاً كاملاً عن كل ما حدث. عن الوضع الذي نشأ عن الحرب وكل هذا القلق الحالي وكل الاضطراب ضمن جمهور حزب الله وضمن بقية الطوائف وكل الاستدراج الذي يحصل للتحكيم الخارجي. من المسؤول عنه؟ هل يستوي في المسؤولية المسلح وغير المسلح. برأيي ان المسلح في بلد مثل لبنان يتحمل المسؤولية الاعلى. في 14 آذار هناك من له علاقات خارجية لكنه ليس مسلحاً، أي لا يستطيع فرض خياراته الاستراتيجية على البلد».
ثمة خطابان يساريان حول الحرب يهرولان بعيدا عن بعضهما البعض. واحد يبارك شرارتها وآخر يريد كشف حساب عنها. في لحظة التباعد المتبادل، يطرح حدادة استنهاض قوى اليسار.
وحدة اليسار
ليس من يساريين يختلفان على ثالوث الأمين العام للقاء اليساريين: مواجهة المشروع الأميركي الاسرائيلي، والتغيير الديموقراطي لبناء الدولة العلمانية الديموقراطية السيدة والمستقلة والتنمية الاقتصادية الاجتماعية.
الشيطان يكمن في التفاصيل، والرفاق على اختلاف مشاربهم يدمنون الخوض في التفاصيل. ماجد يقول إن «هناك مجالا للحوار مع كل الناس. لكن الدعوة للحوار لها شروطها. عندما تموضع نفسك وتقول إن الطرف الآخر لا علاقة له باليسار، فلماذا تعود فتدعوه الى النقاش؟ يقال إن حركة اليسار الديموقراطي ملحقة بالطوائف والاميركيين فلماذا الدعوة الى الحوار؟ لا يجوز ان تكون هناك تصنيفات يقال بعدها نحن ندعو وأيدينا مفتوحة. وهذه الأبوية في الدعوة ليست الطريقة الانسب على الرغم من ان النوايا قد تكون جيدة. لكن يجب ان يكون هناك اطار ما للخطاب تخرج منه لغة التخوين».
كيف يمكن ان يلتقي اليسار اللبناني إذاً؟
يجيب ماجد: يمكننا ان نتعاون في القضايا المطلبية وفي حملات من اجل العلمنة وقانون الاحوال الشخصية واصلاح النظام الضريبي وبلورة رؤية مشتركة للصراع العربي ـ الاسرائيلي. لكن المشكلة تكمن في أن هناك خيارين اساسيين بين طرف متحالف مع 8 آذار وطرف آخر متحالف مع 14 آذار، وهناك تناقض بينهما في قراءة وضع البلد. نحن نقول ان السلاح ينبغي ان يكون مع الدولة فقط بينما الطرف الآخر يقول ان لا مشكلة لديه في ان يكون السلاح مع طائفة معينة، وهو نفسه لا يترك كلمة ولا يقولها في الطوائف ويقبل ان تكون احدى الطوائف مسلحة. من المفيد ان يتعاون اليسار على القضايا المشتركة ويتنافس على ما يختلف عليه».
لا يمكن الالتقاء عند العناوين. تفاصيل الخلاف جوهرية. لنا ان نتخيل الرفاق وقد جلسوا إلى طاولة حوار، وفتحت الجلسة بالعنوان الأول: الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ورنت كصوت الإبرة تلك الكلمة الأثيرية: حزب الله. لنا ايضاً، من وحي هذه الكلمة، التصرف بعبارة لأمينه العام: إن اللقاء بين اليسار واليسار بعيد بعيد بعيد حتى ينقطع النفس.

http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1583&EditionId=541

jafra
17-01-2007, 08:17 AM
مقاربة رائعة لجهاد بزي عن العلاقة بين الحزب الشيوعي و حركة اليسار الديمقراطي:thumbsuppp:

Dareen
17-01-2007, 10:11 AM
يعني بعيدا عن الموضوع حبيت الفت النظر لنقطة ... انو بحس زياد ماجد لليسار الديمقراطي
متل غازي العريضي للحزب الأشتراكي ...
وانا أحترم الأثنين .

العقاب الحيدري
17-01-2007, 07:58 PM
يعني بعيدا عن الموضوع حبيت الفت النظر لنقطة ... انو بحس زياد ماجد لليسار الديمقراطي
متل غازي العريضي للحزب الأشتراكي ...
وانا أحترم الأثنين .
غازي العريضي كنت حسو افخم وزير بالتاريخ
بس كرهتو من ورا اعمالو

red revolution
17-01-2007, 08:43 PM
عندما يعود الرفاق في اليسار الديمقراطي الى عقلانيتهم سيعودون الى الحزب الشيوعي وهناك الكثيرين ممن تركوا الحزب الى حركة اليسار ومن ثم عادوا

jafra
18-01-2007, 10:40 AM
يعني بعيدا عن الموضوع حبيت الفت النظر لنقطة ... انو بحس زياد ماجد لليسار الديمقراطي
متل غازي العريضي للحزب الأشتراكي ...
وانا أحترم الأثنين .

معك حق دارين في كتير اشخاص باليسار الديمقراطي محترمين متل زياد ماجد و الياس خوري و الشهيد سمير قصير كما انو في عدد من المنتسبين لليسار الديمقراطي من الشباب كمان محترمين
انما العلة بالياس عطالله و بيلي دايرينو
و بالمناسبة غازي العريضي كنت احترمو قبل اما هلق لا احترام و لا يحزنون

Dareen
18-01-2007, 10:45 AM
معك حق دارين في كتير اشخاص باليسار الديمقراطي محترمين متل زياد ماجد و الياس خوري و الشهيد سمير قصير كما انو في عدد من المنتسبين لليسار الديمقراطي من الشباب كمان محترمين
انما العلة بالياس عطالله و بيلي دايرينو
و بالمناسبة غازي العريضي كنت احترمو قبل اما هلق لا احترام و لا يحزنون

غازي العريضي جوكر للحزب الأشتراكي ... بس يا خسارة هني مش عارفين قيمته ودايرين ورا زعامات وبكاوات ...
بغض النظر بتوافقة على منهجه او لأ انسان مثقف ... بيفهم يحكي ويدير الحديث والمجادلة والنقاش .. ان كنت معو او ضده ...

عذرا شتينا عن الموضوع .

Scouts1
03-02-2007, 05:42 AM
اعتصام المعارضة في شهره الثالث
دورة حياة مكتملة لمخيم «كشفي» فوق إسفلت الوسط

http://img267.imageshack.us/img267/1811/30540471vp1.th.jpg (http://img267.imageshack.us/my.php?image=30540471vp1.jpg)
يلعبون كرة قدم في ساحة الشهداء (عباس سلمان)

جهاد بزي

يعمل طوني على تغذية «الصوبيا» بالحطب. جو وناهي يلعبان بورق الشدّة. ليسا في بيت في الجبل. هما في خيمة منطقة الأشرفية التابعة للتيار الوطني الحر. إلى يمين الخيمة تمتد تلك الأبنية الملوّنة الخلابة: الصيفي. إلى يسارها تنفلش الخيم، واحدة بعد أخرى، بالمئات. من كل الأحجام. يغلب عليها اللون الأبيض. تصل الى حديقة جبران وتدور بترتيب حول التلة التي تتوسط الحديقة. الوقت غروب. وبينما جو وناهي يلعبان الورق، يشمر عشرات الشبان في الشارع القريب عن سواعدهم. يتوضأون استعداداً للصلاة. الاعتصام صار في شهره الثالث. مرّت عليه عواصف السياسة والطقس معاً. الجولة فيه تقول إنه قام ليبقى ما احتاج من وقت، وتقول أيضاً إن دورة حياته الخاصة قد استقرت على شكل خاص بها. دورة حياة لا تشبه في شيء وسط بيروت الذي كان قبل الأول من كانون الأول.

ناهي يأتي الى الاعتصام متضامناً مع أصدقائه. الأهداف تعنيه. ينام في الخيمة الكبيرة المضاءة بأنوار الكهرباء أحياناً. جو يرابط في المكان منذ الليلة الأولى. يعمل مصوراً حراً. يؤدي الاعمال التي تأتيه، وحين ينتهي منها يعود إلى المخيم. الى متى هو مستعد للبقاء هنا؟ «إلى ما يتطلب الشأن»، والشأن هو قبول السلطة بمطالب المعارضة. «الصعب مرّ» يقول، أي الشتاء، «وشتاء بيروت ليس كشتاء أوكرانيا. هناك كانوا يعتصمون في درجات حرارة تحت الصفر».

ابن الاشرفية، في اختلاطه المكثف والطويل بالأطراف الأخرى، تعرّف على الآخر. على الدين والعادات والتقاليد. غير أن «الاكتشاف» بالنسبة اليه هو «حزب الله» بالطبع. مفاهيم الحزب مختلفة عما كان في ذهن جو. «لا يريد الحزب تحرير القدس والجولان. منطقه داخل حدود الوطن وليس خارجه». ثم.. «عرفت أنهم لا يسمعون الموسيقى لأنها حرام».. جو يقول إن الخيمة تمتلئ كل ليلة بأكثر من ثلاثين شاباً. إذا ما قرر هؤلاء احتساء الكحول، فهم يفعلون ذلك داخل الخيمة، احتراماً لمشاعر حلفائهم.

عناصر الانضباط المنتشرون عند كل النقاط الحساسة ليسوا منشغلين بالموسيقى بطبيعة الحال.

حزب الله يحمي المخيم برمّته. وعلى عادة شبانه فهم موجودون في كل مكان. يجلسون حاملين الأجهزة اللاسلكية يراقبون يساراً ويميناً. هذا المخيم منظم بدقة. هناك خرائط للخيم المنتشرة في الساحتين. والخيم تعرف بأرقام وحروف، بحسب المناطق المقسمة الى مربعات مرقمة بدورها.

خيم مضاءة ومجهزة بمدافئ الغاز، وخزانات المياه العملاقة والحمامات المتنقلة تنتشر في أكثر من زاوية. النظافة، بين الخيم وفي الشوارع، لافتة للنظر، تماماً كما الأراكيل العامرة معظم الوقت.

عند موقف السيارت المواجه للعازارية. يقف مراهقان ورجل اربعيني يرتدون الأسود. هم من بعلبك.
يقول الرجل إنه باق هنا. «هو واجب وطني وديني، وأنا فلاح، والمواسم بارت. شو ما زرعت ما بيطلع. ولا طرقات والمازوت غالي والبنزين غالي». في كلامه، يختلط العام السياسي بالخاص الذي يعنيه من حياته، ويحمل الدولة وزر النسيان الدائم للأطراف. علي، طالب المدرسة، يخفي عصا خلف ظهره في قلب قميصه. بعد الشائعات عن «اعتداءات من 14 شباط» قرر البعض التجهز بالعصي. لكن لا سلاح هنا، على ما يقول الرجل، فالسيد قال إن الاقتتال حرام. جو كان قد قال عن الجنرال يمنع السلاح. كلاهما، جو وعلي، يقولان إنهما لن يعتـــديا على أحد. لكن، وفي حالة الدفاع عن النفس، فالإجابة واحدة عندهما: «سندافع عن أنفسنا».

ضوء مسلّط

مع نهاية تظاهرة الأول من كانون الأول، انتصبت الخيمة الأولى ملاصقة لحاجز الجيش اللبناني الذي يقطع الطريق الصاعدة إلى السرايا الحكومية. يومها قال أحد الشبان عبر المذياع ما معناه أن البقاء في المكان سيطول، «فاجلسوا يا شباب». وجلس الشباب. اليوم، وعلى بعد عشرات الأمتار عن الحاجز الشائك، يقف عنصر انضباط في كشك للجيش اللبناني. مراهق نحيل منضبط تماماً ومن المستحيل جرّه إلى أي حديث ممكن. إلى جانبه يقف شاب أكثر مرونة. يقول إنه عاد إلى المخيم منذ ثلاثة أيام. طالب في السنة الثانوية الأخيرة. يقضي وقته «مع الشباب». و«إذا كان عندي حرس أحرس». ويشير إلى السرايا: «ننتظر أن ينزل». هل سينزل؟ «لازم ينزل».

هذا واحد من مئات شبان حزب الله الذين يملأون الخيم والشوارع. النقاش في تراجعهم وضجرهم وغيره صعب. هم باقون ما دام القرار السياسي ببقائهم قائماً. وهذه ليست حياة شاقة تماماً. خيم مجهزة عالية اجتازت امتحان الأمطار، وشاشات تلفزيون وافران غاز وحطب وفرشات نوم واغطية تعرض لأشعة الشمس نهاراً. مخيم كشفي هائل في وسط البلد.

مع انتهاء ذكرى عاشوراء، بدأ النشاط اليومي يعود من جديد إلى المخيم. ساحة الشهداء كانت اول من امس خالية تماماً. في المقابل، ومع نزول الشمس، سلط ضوءان عملاقان على السرايا، وبدا الناس بالتجمّع في ساحة رياض الصلح، بالعشرات، جلّهم من المراهقين. تجمع الشبان حول المنصة الرئيسية وقد صعدت إليها فرقة الإسراء التي وعدت «بأجمل الاناشيد الوطنية». ومع انطلاق الاناشيد المتاشبهة لحناً وكلمات، انتشر العشرات من المراهقين في قلب الساحة التي ارتفعت فوقها خيمة عملاقة وراحوا يدخنون النارجيلة.

ليس بعيداً عنهم، ثمة سوق صغير شعبي. فيه تجد الشاورما والكعك والمشروبات على أنواعها، وحاجيات المعارضة من أعلام وصور وغيرها في منصات تقف أمام فانات صغيرة. تكتمل بالسوق الدورة الجديدة للحياة في هذا الوسط الجديد للبلد في شهره الثالث، وكل ما فيه يقول إنه مستعد للبقاء زمناً طويلاً. أما السرايا، ففي مكانها. صامتة وخاضعة للضوء الساطع المسلط عليها كل ليلة.

Wiseman
11-05-2007, 11:26 PM
http://www.wa3ad.org/media/pics/1178862167.jpg


كتبه :: جهاد بزي - 11/05/2007

قبل ان تقرأوا اربطتم بين شبه هذا الشاب واحد ما؟؟؟

الإزدحام يخبئ الطاولة التي يتحلق حولها الناس. ازدحام يثير فضول المارين بالقرب من منصة «دار الهادي» في معرض المعارف للكتاب في الضاحية الجنوبية، مساء أمس
«من هو الذي يوقّع؟» يمكن الإستمتاع بلعبة الاجابة على السؤال والتفرج على ردة فعل السائل: «جواد حسن نصر الله، ابن السيد». في كل مرة يكتشف السائل موقّع كتاب الشعر «حروف مقاومة» ستتكرر ردود فعل كهذه: يرتفع حاجبا المراهق عاليين ثم يقف على رؤوس اصابعه ليرى «ابن السيد». يضحك كل وجه السيدة المحجّبة وتقول: الله يحميه. عنده ضحكة السيد. ليك العجقة. عم يتباركه..»
المراهقات المحجبات اللواتي يتجمعن في حلقات متراصة بخجلهن المعهود، ينظرن اليه ويتهامسن ضاحكات. والفتاة التي حملت الكتاب اليه ليوقعه، كانت يداها ترتجفان وهي تلتقط الصور له، وهو ينظر في العدسة بصبر.
الشاعر من نوع مختلف. خلفه يقف حارس شخصي وبقربه يقف موظف من الدار يطبع على الصفحة الأولى من الكتاب ختماً يترك إهداء واحدا للجميع: «مع خالص الشكر واطيب المنى بحياة ناجحة وصحة دائمة وسعادة الدنيا والآخرة». ويكتفي جواد بوضع اسم المهدى اليه والتوقيع تحت هذا الاهداء الاشبه بالدعاء.
إحتفاء الناس به كان هادئاً، على العكس بالطبع من اطلالات والده. وهو، في انهماكه بالتوقيع وخجله، تحدث الى «قناة المنار» عن قصائده التي سقطت تحت ركام بيته وانقذ بعضها بينما اتلف البعض الآخر.
كتابه بالغلاف الاحمر يقع في ثمانين صفحة. يبدأ باهداء الى والدي ووالدتي... ثم «شكر من القلب الى أجمل أب»: لأنك اول من شجعني وقرأ ما كتبته على بساطته وصحح بحسه العالي الرفيع بعض الكلمات لتدل على قلب المعنى. فشكرا لأنك ملهمي وشكرا لأنك والدي وشكرا لانك قائدي. تعلمنا يوما بعد يوم معنى الحياة وجمال انفسنا. معنى الانسانية وحب الاوطان. تدلنا بكل تفاصيلك وحكاياتك على الطريق التي تأخذنا نحو المحبوب الاقدس لتزاد الارواح به سموا وتألقاً. شكرا ايها المتربع على عرش القلوب.
الكتاب في معظمه شعر عمودي0 يهدي جواد قصائده الى الشهداء والاسرى العائدين وفوارس المقاومة الاسلامية وابطال الانتفاضة. وثمة قصائد عنوانها علامات استفهام استعان بذاكرته كي يكتب بعض ابياتها وتنقطع بعبارة: باقي الابيات تحت ركام منزلي.
يهدي جواد قصيدة اميرة قلبي إلى أمي الحبيبة «أم هادي». ويعود الى السيد نصر الله بقصيدتين اخريين: «يا سيدي»، يهديها الى «سماحة الامين العام السيد ابو هادي» هذه قصيدة عامة. الأخرى الخاصة به والمهداة إلى ابي الحبيب السيد ابو هادي فعنوانها: يا أطيب الناس. يقول له: لو كان أمري «رهن أمري» اهديك عمري...
ليس في الكتاب قصائد من تلك التي يصدرها شعراء جيله. نحن أمام لغة مختلفة تماماً باختلاف شاعرنا عن هؤلاء الذين يقعون في الطرف الآخر المضاد في معظم المفاهيم. وثمة نفس إنشادي واضح يشبه الى حد ما القصائد التي تؤديها مغناة فرق مثل الاسراء والولاية. وإذا كان هناك من تقييم لشعر الشاعر بعد ديوانه الأول، فمن المفترض أن يأتي من هواة النوع، أي من جمهور حزب الله.
الشاعر كان نجم مجمع سيد الشهداء أمس. سرق بعضاً من أضواء أبيه. حول وسامته تهامست الفتيات. لن يصافح أيّاً منهن بطبيعة الحال. لكن كثيرات منهن تصوّرن الى جانبه. لا نحكي عن محجبات فحسب. المعجبات بالشاعر، من غير المحجبات المتأنقات بشدة، وقفن في الصف أيضاً وواحدة منهن أهدرت كامل ذاكرة هاتفها الخلوي في التقاط الصور له. معجبة؟ ربما. لكن الشاب الذي يتم السادسة والعشرين من عمره في 24 أيار المقبل، متزوج، وزوجته كانت تقف بعيداً الى يمينه، كما أفلتت طفلته الصغيرة اليه تعانقه منادية إياه باسمه الأول.
على اي حال، لم يكن جواد مساء أمس، شاعراً فحسب. كان ابن السيد. غلبت هذه الصفة عليه. والناس في توقهم الى رؤيته، أصطدمت أكتافهم بمراهق يرتدي قميصاً رياضية بيضاء يلتقط الصور. في لهفتهم الى التمعن في ملامح جواد، لم ينتبهوا الى الشبه الكبير بين هذا المراهق بالقميص البيضاء وبين الشهيد هادي حسن نصر الله. ولم يعرف أحد ان هذا الشاب هو محمد علي حسن نصر الله، نجل السيد أيضاً.

- جريدة السفير .

منقول من وعد

K@m@l
15-06-2007, 08:43 AM
جهاد بزي
(javascript://) لحق المصورون بعضهم بعضاً مهرولين نزولاً من أمام مبنى البرجين حيث بيت آل عيدو واختفوا في المفترق القريب. هناك نصبوا كاميراتهم وصوبوها بصمت شديد نحو رجل يقف صامتاً على الرصيف، وبقربه حارس واحد. سيارات الموكب وقفت في عرض المفترق وقطعته. لم يكن النائب وليد جنبلاط ينظر الى شيء محدد. ولم يتبرم من المصورين. بدا على عادته متعباً وضجراً.
خرج جنبلاط من المفترق سيرا على الاقدام صوب بيت آل عيدو على الرصيف المخبأ بالشجر بعد وصول النائب سعد الحريري إلى أمام المبنى. أمّن الحريري لحليفه مروراً خفياً. دخل جنبلاط الى باحة المبنى الأمامية بينما عشرات مشجعي تيار المستقبل يهتفون «الله معك سعد الدين». وانتظر الحريري وصول السيارات الثلاث حاملة نعوش النائب وليد عيدو ونجله خالد والمرافق سعيد شومان.
كانت بضعة وجوه قد وصلت قبلاً. النائبان أكرم شهيب ووائل أبو فاعور. ورئيس التيار الشيعي الحر الشيخ محمد الحاج حسن الذي أثلج مروره قلب أحد الموجودين، فتحدث لجاره عن أهمية وجود مثل هذا الرجل ليعبر عن الرأي الحر في «هيديك الفئة».
حين وصلت النعوش، اقترب من نعش عيدو وقرأ الفاتحة متأثراً. بعدها مشت سيارات النعوش، ومشى المشيعون صعوداً الى طريق تلة الخياط، ومن هناك، مشوا نزولاً الى كورنيش المزرعة.. وفي آخر التشييع، سارت مواكب السياسيين.
سرعان ما تفكك الجمهور المحتشد بالعشرات في مشيه السريع على طريق تلة الخياط. حين وصل الى كورنيش المزرعة، بدأ يتجمع من جديد وراح الناس يرفدون المسيرة من جانبي الكورنيش.
سار الموكب ببطء تحت شرفات معظمها خالية، حتى وصل إلى جسر الكولا. هناك، حيث سيلتف نازلاً الى مستديرة الكولا، وصاعداً نحو طريق الجديدة، ومنها الى مسجد الخاشقجي، سيتغير المشهد.
في الكولا كانت عشرات الدراجات النارية تدور في حلقات مطلقة أبواقها ورافعة أعلام «المستقبل». في زاوية أخرى وقف وفد من الشيوخ الدروز ينتظرون بدروهم وتحيط بهم أعلام الحزب التقدمي الإشتراكي. وفي طريق الجديدة احتشد الناس في الشوارع وعلى الشرفات. طال الانتظار لأكثر من نصف ساعة والسيارات التي تحمل النعوش ما زالت عند مفترق كورنيش المزرعة.
طريق الجديدة كانت تستعد، وكذلك شبانها، الذين أتوا حاملين أعلام «المرابطون» وتيار «المستقبل». هذا إضافة الى فهود طريق الجديدة براياتهم السود وبشعارهم المطبوع الى جانب شعار المستقبل، برسم الفهد المرعب.
طريق الجديدة هي الرافد الأساس للجماهير. فجأة صار عدد المشيعين بضعة آلاف يعبرون تحت صور الرئيس رفيق الحريري ونجله سعد والرئيس فؤاد السنيورة وحبيبات الأرز المنثورة من الشرفات. في طريق الجديدة أيضاً علا صوت الهتافات، تصرخ «سعد سعد سعد» ضاربة الرؤوس بالأكف، ثم تشتم (...) وتشتم «الضاحية كلها».. وتقرر أن «دم (...) عم يغلي غلي».
هؤلاء المراهقون المغالون في تطرفهم، سحبوا البساط من تحت التشييع ورصانته المفترضة، وظلوا يرددون هتافاتهم قافزين بفرح. لم يجدوا من يقنعهم بالعدول عما يفعلون، وتُركوا ليصنعوا في نهاية التشييع مشهداً ينتقص من جلال الموت وموكب التشييع ، تحت عدسات تصوير قنوات عربية واجنبية اساؤوا فيه الى الشــهادة والشــهداء، ولأكثر من ثلاثة أرباع الساعة.
كانت النعوش الثلاثة قد وصلت عند الثانية عشرة والنصف تقريباً الى مسجد الخاشقجي. سُجيّت في الداخل ووصل مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد قباني وهلل المحتشدون له. كما وصلت وجوه أخرى من 14 آذار لقيت ترحيباً مماثلاً. غير أن عبور الحريري ومعه السيد علي الأمين في قلب المسجد من غرفة صحن الجامع المقابل، اصاب المتجمهرين في الباحة المسقوفة بحماسة هائلة جعلتهم يتدافعون محاولين مصافحة الحريري وهم يصرخون بأقصى ما استطاعوا. ونال الأمين ترحيباً لا بأس بدرجته: أمين أمين أمين.
مُدّت الحصائر في الباحة الواسعة الرابطة بين صحني الجامع، وصلى الكثيرون. في الداخل أديت صلاة الميت وصلاة الظهر وقد سجيت النعوش الثلاثة في المقدمة. انتهت الصلاة وعاد المفتي والحريري والآخرون الى الغرفة الأولى حيث ستللى كلمات لن تُسمع منها كلمة واحدة في باحة المسجد.
في هذه الباحة، وفي خضم سوء التنظيم، أفلت المراهقون مجدداً على غاربهم وقالوا كل ما نفوسهم، في وصلة هتافات لم تهدأ إلا بعدما أصابهم التعب.
في داخل باحة المسجد، اي في حرمه، ارتفع الصراخ ممتزجا بكثير من التعابير التي تخدش جلال المناسبة مراراً وتكراراً (تتحفظ «السفير» عن تسجيل مضمون هذه الهتافات).
في مقابل الهجاء، كانت الهتافات التي افترضوها مديحاً: «واحد تنين.. الحريري وصدام حسـين». «زرقـاوي زرقــاوي». «سـنة سـنة سـنة.. الامام علي إلنا». «ليبيا.. ليبيا».. «اجا ولي العهـد. اجا الامام سـعد»... وشـعارات اخرى من الطراز عينه.
طوال المدة التي ألقيت فيها الكلمات، كان هؤلاء يطلقون مثل هذه الصيحات داخل المسجد. ترك التشييع على غاربه. خرجت عصبية المراهقين الى العلن في أبهى حللها، من دون أي أقنعة.
من المسجد الى مدافن الشهداء الملاصقة، خرجت النعوش الثلاثة محمولة على الأكف، ملفوفة بالعلم اللبناني. هناك فقط، حيث نزلت الأكفان الى التراب، فرض الموت رهبته. ساد الاحترام أخيراً. نزلت دموع الأقرباء وهم يودعون الثلاثة. غرق رجل في البكاء.. «حرام يا خالد»، راح يقول مرة بعد مرة.
_______________________
جهاد بزي، السفير، 15 حزيران 2007

YSARE
18-06-2007, 03:02 PM
جهاد بزي
يا حبايبنا فين وحشتونا
لسّه فاكرينا ولاّ نسيتونا
دحنا في الغربة
من الهوا دبنا
وانتو في الغربة جوّا في قلوبنا
أوعوا تفتكروا إننا تبنا
مهما فرقونا ولاّ بعدونا
يا حبايبنا...
أغنية لمولانا الشيخ إمام.
وقفت نجمة سعد تنتظر. بعد قليل أتى، بقامته النحيلة المتحمسة، ولحيته غير المشذبة. أخيراً رأيتكِ بالبدلة العسكرية؟ سألها بحبور من تحقق حلمه. ابتسمت لشقيقها. هما يقفان في مكان ما من شبعا، ليل الثاني من كانون الأول .1969 هي محاطة بالصبايا العسكريات مثلها. أنهين لتوهن دورة تدريب عسكرية في سوريا والتحقن بالجبهة مع قوات «الصاعقة». أمين سعد، «الأخضر العربي»، كان حين يجلس معها في بيت العائلة في برج حمود يخبرها عن جميلة بو حيرد. وكان يسألها: «هل أراك يوما بالبدلة؟»، وتجيبه: «وحياة عيونك رح إلبسها». في هذا الليل تحقق نجمة حلم شقيقها. تنضم الى «المقاومة» بعد دورة للنسوة سعت بنفسها لجلب الصبايا اليها. 21 صبية تدربن على السلاح ثم على التمريض. 15 منهن صعدن الى العرقوب. الصاعقة، طلائع جيش حرب التحرير، كانت فصيلاً فلسطينياً موالياً لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا.
الأخضر العربي كان بعثياً حتى العظم. بعثي مؤمن بالوحدة العربية الى درجة دفعته الى الذهاب سراً سنة 1962 الى سوريا لتوزيع مناشير تعترض على فك الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. ألقي القبض عليه ورمي في سجن المزة ثلاثة وثلاثين يوماً. في دفتر يومياته في السجن، ميّز أمين سعد، المدرّس الابتدائي، يوم 22 شباط عن باقي الأيام. رسم الرقم بخط كبير وكتب: «هذا اليوم الخالد الذي كان يمرّ في الاعوام الثلاثة الماضية، وهو مزين بأحلى مظاهر الزينة والأفراح... هذا اليوم التاريخي، الذي اجمع فيه الشعب العربي في مصر وسوريا على قيام وحدة مقدسة بين الإقليمين وخلق جمهورية عربية متحدة لتكون نواة لوحدة عربية شاملة... تلتقي فيها الآمال العربية في حياة حرة كريمة. يمر هذا اليوم الآن، يرتدي ثوب الحزن الغريب، ويبعث الأسى العميق في أرجاء الوطن العربي... بعدما تحولت الوحدة المقدسة الى نكسة مؤلمة للعروبة»... «صحيح لقد كانت هذه النكسة ضربة عنيفة للعروبة... لكنها ستكون في نفس الوقت دافعاً ثورياً متيناً لخلق الوحدة المنشودة».
في هذه الصفحة من المذكرات، يعود أمين الى مصطلح «النكسة» مراراً. هذا اللبناني النازح وشقيقاته الأربع ووالده من بنت جبيل الى برج حمود، استخدم المصطلح الكئيب قبل خمس سنوات من شيوعه على كل لسان عربي. نكسة 1967 ستنسيه نكسة الانفصال. وكما كل الحالمين حينها، رأى في المقاومة الأمل الوحيد للخروج من تلك الهزيمة المدويّة.
تحمس اللبنانيون بحسب انتماءاتهم، للثورة الفلسطينية. في بنت جبيل حملوا على الاكتاف وحتى الفجر اول الشبان الفدائيين الداخلين الى البلدة في عرس مشهود. كانت السلطة اللبنانية خصماً سياسياً عنيداً للمقاومة الفلسطينية. واندلعت اشتباكات متفرقة بين الجيش اللبناني والفلسطينيين مراراً قبل أن تنفجر هذه الاشتباكات عنيفة بينهما في خريف .1969 انتهت بالذهاب الى مصر جمال عبد الناصر والتوصل الى اتفاق القاهرة. اعترف لبنان للفلسطينيين بحق التسلح وإدارة شؤون المخيمات والانطلاق من أرضه الى الأرض المحتلة. وتعهد الفلسطينيون باحترام سيادة لبنان!
نقاش ذاك الزمن في السياسة حديث لن ينتهي. ما نحكيه هنا هو ما كان يجري على الأرض. وعلى الأرض، كان ممنوعاً على غير الفلسطينيين حمل السلاح. الجيش اللبناني يقيم الحواجز ليمنع اللبنانيين من غير ابناء المنطقة الحدودية من الدخول اليها. غير أن من أراد الالتحاق بالمقاومة كان يأخذ أمر تسهيل المرور من القوى الفلسطينية. هكذا ذهب اللبنانيون مع الفلسطينيين الى الحدود. الأخضر العربي كان حين وصلت شقيقته اليه نائب رئيس منظمة «الصاعقة» في منطقة العرقوب. فرح بها وقال لها إنه سيعود عند التاسعة من صباح غد ليوزعها ورفيقاتها على النقاط الأمامية. أتى الغد، الثالث من كانون الأول، وهي مستيقظة تحلم بأنها اليوم ستصير مقاتلة. عند الخامسة صباحاً دوّى صوت الرصاص والقنابل ومعه صوت أجراس الإنذار. ارتدت بزتها العسكرية وجعبتها وحملت بندقيتها وخرجت من الخيمة تسأل عن الأخضر العربي. «صار في المعركة»... قالوا لها.
كانت قوة إسرائيليــة تتقدم في بيادر شبعا. نزل امين ومعه عــناصـــر. وقــع الاشــتباك بين الاســرائيليين والمــقاومــة. استمر لست ساعات طويلة استخدم فيها الاسرائيليون الطوافات. اشتعلت الجبهة وكانت نجمة في الخطوط الخلفية تسعف المصابين حين وصل مقاتل جريح يحمل بندقيتين. اقتربت لتساعده فقال «اتركيني موت... الاخضر العربي استشهد». ارتجفت ولم تصدق. قال «هذه بندقيته». بقيت نجمة على تماسكها تقوم بعملها. عند التاسعة، وكما وعدها قبل يوم، جاء الأخضر العربي جالساً على ظهر بغل، يسنده رفيقه الجالس خلفه. قالت لرفيقتها بدرية: على الموعد. لا يتأخر امين عن مواعيده. تقول نجمة إن الاخضر كان مبتسماً وهو آتٍ من المعركة شهيداً. مزقت الشظية رئته. أكمل الشهيد طريقه لنقطة آمنة وتابعت عملها في إسعاف المصابين. عند الحادية عشرة انتهت المعركة. صعدت الى حيث شقيقها ممدد. «بكير»، قالت له وهي تضمه الى صدرها. كان عمره حينها 32 سنة. ولد في حيفا. هي، وبعد استشهاده، صار اسمها «الخضرة».
[[[
في أول عام 1969 قال همدان مهدي لوالدته إنه مسافر. غادر برج حمود الى الاردن. اختاره الحزب الشيوعي اللبناني مع 43 آخرين لإجراء دورة التدريب الأول تحت إمرة «جيش التحرير الفلسطيني». كان الحزب المحظور قد قرر حينها إنشاء «الحرس الشعبي» لحماية القرى الحدودية (في الجنوب) من الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة. بعد أكثر من سنة على التدريبات وإنشاء الحرس، اعلنت منظمة الحزب عنه رسمياً.
رأى همدان، عند وصوله ورفاقه، بعض المدربين الفلسطينيين والأردنيين يؤدون صلاة الظهر، فقرر الشاب الشيوعي تلاوة القرآن في الافتتاح الذي سيحضره ابو عمّار شخصياً. بعد الافتتاح بدأت الدورة واستمرت ثلاثة اشهر في الصحراء. وهؤلاء يتدربون على السيمينوف والتشيكية. همدان تدرب على رمي الـ«بي سفن». في اختتام الدورة عاد ابو عمّار. وفي استعراض رمى همدان على هدف وأصابه. قال لأبو عمار «أنا قارئ القرآن في بداية الدورة والرامي الآن». ربت ياسر عرفات على كتفه. بعدها قام رفيق همدان وألقى خطاباً رناناً فعلم أبو عمار ان الرفاق شيوعيون. كان من المفترض ان يتناول ياسر عرفات غداءه معهم لكن «الخبر الأحمر» سدّ نفسه فغادر من دون أن يأكل. وُضِع الرجال في شاحنات قذرة سارت بهم الى منطقة العرقوب. هناك صاروا في مخيم تحت إمرة جيش التحرير...
لم يطل الأمر. قررت قيادة الحزب الشيوعي سحب عناصرها بعدما نالت مرادها، أي إعداد كوادر لنشر الحرس الشعبي في القرى. لم يقبل همدان أن يعمل في بلدته بنت جبيل، فأرسله الحزب الى القرية المجاورة لها، عيناثا. قيل له إن رفيقاً اسمه ابو حسن ايوب سيساعده في ترتيب اوضاعه في القرية. ذهب إليه. همدان تذكر علي أيوب لحظة لقائه به. الأخير كان في الخمسينيات صاحب مطعم في برج حمود، يذهب همدان اليه ليأخذ من عنده المنشورات الحزبية. في تلك الأيام، كان مثل هؤلاء الناس لا يتبادلون الا «كلمة السر» بينما يحلمون بإقامة دولة العدالة. وحتى التقى همدان بأبي حسن في عيناثا لم يكن يعرف أنهما من بلدتين تلتصقان بعضهما ببعض في كل تفصيل.
في عيناثا عمل همدان كأي شيوعي. من دون راتب كان يعيش على ما يرسل الحزب من طعام. وحين اصيب بالنحول صدر قرار حزبي خصص الرفيق همدان بنصف اوقية من «السودة» أسبوعياً. وصار يدخن التبغ الذي يقدمه اليه المزارعون بدلاً من المارلبورو التي لا يملك ثمنها. الخمسون ليرة، راتبه الشهري، راح يصل بانتظام الى أمه من «المسافر» في بلاد الله. وهو، ورفاقه، كانوا يستقبلون الشيوعيين الآتين من مختلف مناطق لبنان، عمالاً وفلاحين وطلاباً ومهندسين وأطباء. يحفرون بالمعاول ويقيمون الملاجئ، ويجوب الأطباء منهم الشوارع يحملون الحقائب في مستوصفات نقالة لتطبيب الناس. ويقيمون الحلقات التثقيفية ويساعدون أهل الأرض في الزراعة والحصاد. مشهد شيوعي كثيف الاحمرار برومانسيته. الحزب قرر أن يخضع الشيوعيين كلهم الى دورات تدريب عسكرية. صاروا يتوافدون كل 15 يوماً الى وادي الحجير. هناك قام المعسكر، يلتحق فيه كل اسبوعين خمسون الى مئة شيوعي. «جمال هادي» اسم طُلب من شيوعي عمره 19 سنة أن يحفظه في نهار مغادرته الى الدورة هو وأربعة آخرون. كانت الأسماء الخمسة الحركية مكتوبة على ورقة تسهيل مهمة صادرة عن الصاعقة. مر هؤلاء بالورقة عن حاجز الجيش والتحقوا بمعسكر وادي الحجير. خلال تلك الدورة تعرض المعسكر لقصف مدفعي اسرائيلي شديد. امطرت قذائف ولم يُجرح رجل. المخيم محمي بالتضاريس الصعبة للوادي.
خلال الدورة طلب جمال من قائد المعسكر السماح له بالذهاب الى سوريا ليخضع للامتحان الرسمي فيها ويوزاي البكالوريا في لبنان. رفض القائد. إما الدورة وإما امتحانك. فضلّ الشاب الدورة على مستقبله العلمي. لا مزاح مع حزب الجماهير الطامح الى تغيير كل شيء. «كان الواحد يفضل الانتحار على أن يفصل من الحزب».
أنهى جمال دورته والتحق بالحرس الشعبي في احدى القرى. يجول نهاراً في ثياب مدنية، في مهمات استطلاع. ليلاً يرتدي ورفاقه بزات عسكرية فيتنامية سميكة ويتسلل الى الاراضي المحتلة. يقترب من مسكاف عام. المهمة استطلاعية، لكن التوجس الشديد كان من الأضواء الكاشفة التي تدور حول المستوطنة. كانوا يظنون أن الضوء موصول برشاش اوتوماتيكي. ما أن يقع الضوء على المقاتل حتى يطلق الرشاش عياراته... كذبة مثل هذه كان لها دوماً مفعول السحر على المستطلعين، تجعلهم أشد حرصاً بما لا يقاس. الحزب سيعلن عن قوات الأنصار، وعناصرها تنتمي الى احزاب شيوعية عربية أخرى اردنية وعراقية وسورية وغيرها. وصار الشيوعيون اللبنانيون يدربون عناصر هذه الأحزاب على السلاح ويشركونهم في العمل التطوعي في القرى. قوات الانصار تجربة لم يكتب لها الاستمرار وسمير العجلوني، الذي سقط شهيداً في ايلول ,1972 كان شيوعياً أردنياً.
الرفيق همدان لم يكن جديداً على حزبه. سنة 1958 «تكتك» ورفاقه على «المارينز» الذين نزلوا على شواطئ بيروت واستقروا عند مستديرة الطيونة. كانوا يطلقون النار على العسكر الاميركي ويهربون. وفي مرة حفروا خندقاً قبالة سينما سلوى وحين مر الجيب الأميركي فتحوا عليه النار. بعد 11 سنة سيكمن الرفيق وآخرون لدورية اسرائيلية راجلة في منطقة «الكيلو تسعة» (الحدود). اطلقوا النار عليها وهربوا. طاردهم الجنود الاسرائيليون، ومن خلف هؤلاء أطل عناصر كمين شيوعي آخر. توفق الحراس الشعبيون بـ11 جندياً، لكنهم لم يعرفوا حصيلة العدو من قتلى وجرحى.
في 6 كانون الثاني 1970 دعت منظمة الحزب الشيوعي في الجنوب الى إنشاء الحرس الشعبي في نداء صدر إثر اعتداء على قرية كفركلا واختطاف عدد من مواطنيها. النداء جاء مسبوكاً باللغة الشيوعية الرائجة حينها. شن هجوماً على «الرجعية اللبنانية» التي تحاول عرقلة اتفاق القاهرة وضرب العمل الفدائي، ثم: «رأت المنظمة من واجبها أن تدعو الشيوعيين في القرى الأمامية وفي كل منطقة الجنوب للمشاركة في حراسة قراهم بالسلاح وفي تنظيم لجان الحرس الشعبي دفاعاً عن القرى والأراضي والمواطنين، الذين هم جميعاً هدف الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة. وإذا كانت منظمتنا قد قدمت في الاسابيع الماضية شهيدين من مناضليها الشيوعيين، أحدهما ابراهيم جابر وهو يقوم بواجب الكفاح في الاراضي المحتلة، والثاني علي سويد وهو يقوم بواجبه خلال العدوان الاسرائيلي الغاشم الذي تعرضت له بلدة الخيام، فهي ترى أن هذا هو شرف تعتز به. ومناضلوها الذين يستوحون في كفاحهم مبادئ حزبهم الشيوعي، سيسترخصون الحياة في هذه المهمة الوطنية الكبيرة المقدسة»...
[[[
حُمل الشهيد، الأخضر العربي، الى سوريا. اقيم عرس له فيها. ومن
هناك عادت جنازته الى برج حمود. أوقف في ضهر البيدر ونثرت الورود والأرز عليه. بات ليلته في برج حمود. ومنها خرج الى بنت جبيل بعدما أتى وزير الداخلية كمال جنبلاط وقال لنجمة: «الأخضر خيّنا كلنا».
وفي تظاهرة كبيرة خرج الناس من بيروت يشيعون الأخضر العربي. اصدر جنبلاط امراً بعدم التعرض للذاهبين الى الجنوب لمدة اسبوع. خلف نعش الشهيد دخل السلاح والرجال بكميات كبيرة الى المنطقة الحدودية. في الرحلة التي استمرت ثلاثة ايام من الجنوب وإليه، لوّحت للاخضر العربي آلاف الأكف. وعاد الى بنت جبيل حيث نام هناك. وعاد الى البلدة شقيقاته الأربعة ووالده. نجمة صارت مقاتلة. لكن رفاقها رفضوا ان تشاركهم «الخضرة» في العمليات. ومع ذلك، كانت شقيقة الشهيد تعمل ما استطاعت. تذهب في عملية استطلاع بحثاً عن ثلاثة فدائيين فقدوا قبل ثلاثة ايام. تطلب من الضابط في الجيش اللبناني أن يساعدها فيستغرب طلبها وهي بالبزة العسكرية. يطلب منها أن تعود في الغد بثيابها المدنية، ويهمس في أذنها: أكون قد ارسلت في إجازة الجنود الذين ليسوا معنا.
هكذا يفعل. وفي اليوم الثاني تعود اليه فيرسلها مع صبايا يذهبن الى الحقول للعمل. تعبر من اسفل الشريط الحدودي وتصل الى الأرض المحتلة لتبحث. لا تجد أثراً. كان الاسرائيليون ينشرون بقراً في مناطقهم. إذا ما سمعت البقرة صوتاً ما تقف على قوائمها. هكذا كانوا قد ألقوا القبض على الفدائيين. الخضرة علمت لاحقاً أن الثلاثة قتلوا.
في وقت كان السلاح كثيراً بين ايدي الجميع، كان همدان مهدي ورفاقه دائماً في نقص. يضطرون الى نشر القذائف الاسرائيلية غير المنفجرة، وإخراج مادة الـ«تي ان تي» منها، ثم تذويبها في تنكة توضع على الحطب المشتعل، ثم صب المادة الذائبة في قطع لتصير لاحقاً عبّوات. همدان، ومن أجل السلاح، اضطر أن يلجأ إلى ابنة خالته الخضرة. لم يجدها في المرة الأولى وقال لرفاقها «أبلغوها أن جبران ابن خالتها سأل عنها». في المرة الثانية لم يجدها ايضاً. «الرفيق المسؤول» عن نجمة سعد توجس من هذا الجبران الشيوعي. حين تقابلا في المرة الثالثة، عرفت ابن خالتها همدان. طلب منها سلاحاً ووافقت. راحت تمده بالسلاح وصار بعض رفاقها يكتبون التقارير فيها. المسؤول المتوجس ظل على توجسه: يا رفيقة. هؤلاء شيوعيون وبعيدون عنا... قال لها. ردّت عليه «يا رفيق، حين تأتي اسرئيل الينا لا تميز بين شيوعي وبعثي. تقتلنا معاً». شقيقة الشهيد لم تكن تنظر الى أسفل، حيث الخلافات السياسية. ساعدت همدان ورفاقه بما استطاعت. بعدها، غادر همدان الجنوب الى عمل آخر في بيروت بعد انقطاع عن المدينة دام ثلاث سنوات. عام 1972 ظنت أمه أنه عاد من السفر في بلاد الله. نجمة ظلت في بنت جبيل، ولم يعد هناك من رفيقات دفْعتِها أحد. كانت حينها المرأة الوحيدة المتفرغة في المقاومة.
[[[
لن نسأل السيدة الجالسة الآن بقرب زوجها عن عمرها. هذا تهذيب لا بد منه مع السيدة ذات الوجه المشرق تحت الحجاب الذي يكشف عن مقدمة الرأس. غير أنها مُربِكة لمن يجلس معها. تنساب لهجتها البنت جبيلية بهدوء. تحكي بأنغام الصوت نفسها التي تستخدمها امرأة ثانية في عمرها وهي تروي مثلاً كيف كانت تدق اللحم على البلاطة. لكن نجمة تحكي عن بنادق ونضال ومسدسات.
تروي لنا الخضرة تجربة اخرى، بخفر اللغة ذاته. تقول إنها استيقظت فجر يوم ما على ضجة. يقولون في الخارج إن الاسرائيليين هجموا على بنت جبيل وعيناثا. كان ذلك فجر الجمعة في 25 شباط .1972 شنوا هجوماً برياً وجوياً شمل مناطق لبنانية واسعة على الحدود وفي العمق، وتركز بشكل خاص على مناطق بنت جبيل والعرقوب وراشيا الوادي. وفي خبر صحيفة النداء الصادر في اليوم التالي نقرأ: «ان قوة اسرائيلية كبيرة محمولة بالآلات التي قدرت بنحو 62 دبابة اجتازت الحدود اللبنانية فجر امس من نقطة «الكيلو 9» واجتازت في طريقها بلدة عيثرون حيث نسفت منزلاً في مثلث بنت جبيل مارون الراس، كما اجتازت مدخل بنت جبيل (حي المسلخ) ومنه توجهت الى عيناثا حيث حاصر قسم منها البلدة وراح يقصفها بالمدافع بشكل عنيف، بينما دخل قسم آخر البلدة وراح ينسف المنازل».
أفاقت نجمة مذعورة. كانت تمد فراشها بالقرب من خزانة ثيابها. في الخزانة، وبين الثياب، كانت تضع القنابل. وإذا غدروني أفجر القنابل «فيّ وفيهم». «سحبتُ جعبتي وبارودتي وحطيتهم على الأرض». كانت تعمل بصمت لئلا يفيق والدها ويكشفها. بينما تحاول سحب مسدسها والقنابل باغتها صوت شقيقتها آتية وهي تصرخ بأعلى صوتها. رمت حطة ابيها على البندقية والجعبة وخرجت الى أختها. أمسكتها هذه وأخذتها معها كي لا تغادر الخضرة الى المعركة. دخل الإسرائيليون الى بنت جبيل ووصلوا الى بيتها يبحثون عنها. ادّعى الأب أنه لا يسمع جيداً وأن ابنته في بيروت، هي غير هذه المنشورة صورتها في الجريدة التي يحملها الاسرائيليون. أخرجوه وأطلقوا النار بين قدميه. ثم تركوا الرجل العجوز بعدما وضعوا حارساً على باب البيت. نجمة القلقة على ابيها إذا ما وجد الاسرائيليون السلاح، ارسلت اختها لتجلب القنابل من الخزانة. ذهبت هذه وحيّت الجندي الحارس على باب البيت وشرحت له انها آتية بالطعام لأبيها وستأخذ ثيابه لتغسلها. وضعت القنابل والمسدس في الثياب وخرجت. بعد ساعة أتت شقيقة ثانية «لتأخذ فراشاً» من البيت. كانت الجعبة والبندقية تحت الحطة. وضعتهما في الفراش وخرجت.
في هذا الوقت، مشت نجمة صوب عيناثا التي يتقدم نحوها الاسرائيليون. وقفت خارج مركز الصاعقة. مرّ بها علي ايوب فجراً واضعاً «التشيكية» على كتفه وكان يمشي على رأس إبهام قدمه اليمنى المصابة بحروق بالغة. في القدم نفسها كان يرتدي مشاية بلاستيكية وفي الثانية حذاءً عسكرياً. حيّته نجمة، فقال لها «ما رح يفوتوا إلا على جثثنا». غاب أبو حسن ساعات. ظهراً جاءت صبية تركض صارخة: «قتلوا علي أيوّب». ذهبت نجمة وآخرون الى حيث سقط ابو حسن شهيداً. سحبوه من أمام ركام البيت الترابي المهجور الذي تحصن فيه الشيوعي وأطلق ثلاثين طلقة من «التشيكية» على الدبابة الاسرائيلية التي نسفت البيت فوق رأسه. غادر الاسرائيليون عيناثا عند العاشرة والنصف صباحاً. أما الشيوعيون فظلوا لوقت طويل يحكون عن الرجل الذي لم يستشهد قبل إطلاق كل ما في جعبته وقلبه من رصاص... ولم يهرب.
حكوا عن الطلقات الثلاثين الفارغة بحب هائل. وفي اليوم التالي على استشهاده، نشرت «النداء» مقالاً لجورج حاوي جاء فيه «نحن الشيوعيين، واحد منا علي ايوب، ابو حسن. بندقيته التشيكية جمعنا ثمنها ليرة ليرة، وكذلك الرصاصات الثلاثون التي وجدت الى جانبه فارغة (...) واحد منا أبو حسن. من ابناء هذا الشعب الشجاع الطيب. قليل الكلام. بشوش الوجه. حسن السيرة. بسيط. متين الاعصاب. عنوان للصمود. للثقة بالنفس. إنسان. شيوعي».
بعد يومين رأت نجمة زوجة الشهيد تمشي ومعها طفلاها آتية الى حيث تجتمع النسوة في العزاء. مشت خلفها. رفعت صوتها الجميل الحزين بغناء العتابا التي ترثي الراحل. النسوة بكين، ونجمة المجروحة بكت وهي تتذكر الأخضر العربي.
زينب خنافر زوجة الشهيد ابو حسن، ستستشهد في حرب تموز 2006 في مجزرة في عيناثا. ولن يرفع الركام عنها وعن الشهداء السبعة عشر معها إلا في اليوم التالي لوقف إطلاق النار.
[[[
بعد العملية الاسرائيلية طلب والد نجمة منها أن تتوقف عن عملها العسكري رأفة به. وافقت وغادرت العائلة الى بيروت من جديد. هناك، سيصف الطبيب لأبنة خالتها شقيقة همدان، عشرين حقنة تؤخذ يومياً. ابنة الخالة ستطلب من نجمة الممرضة ان تعطيها الحقن. وفي كل يوم كانت المريضة تسأل نجمة: ما رايك بهمدان؟ كانت نجمة تقول: منيح، عَ سلامته همدان. مناضل».
حين ضاقت ابنة الخالة ذرعاً قالت لنجمة: بدنا نزوجه لهمدان.
أجابت نجمة: عال. الله يوفقه. وشو المطلوب مني؟
قالت ابنة الخالة: مطلوب منك انك إنت العروس...
تتابع نجمة حكايتها: «جمدت. قلت لبنت خالتي: مش عم فكر بهل شي. يعني أحترمه. بس يمكن له علاقة بحدا. وبعدين همدان اذا بدّو... لازم هوي يحكي».
تختم الخضرة حكايتها وهي تنظر مبتسمة في همدان مهدي الجالس بقربها الآن، بشعره الأبيض وعينيه الرقيقتين: «وبعدين صار يلفي همدان. معناتها إنو بدّو».

YSARE
18-06-2007, 03:16 PM
الأخضر العربي-علي أيوب

YSARE
18-06-2007, 08:23 PM
جهاد بزي
قال أبو حسين لابنه علي:
حين خلق الله الأرض، كان يستخدم غربالاً.
اما الجبال والصخور التي علقت في الغربال،
فرماها الله عندنا، في الجنوب.
ضرب جابر بيده على جيب بنطاله الخلفي. تذكر أنه لم يشتر الشنط المدرسية لأشقائه. كانت أخته قد زارته في بداية الأسبوع وقال لها إنه سيجلب الشنط كي تأخذها معها الى حولا. لكنه استدعي الى «المشوار» فنسي. الآن، وبينما هو ورفاقه الثلاثة يسمعون فجأة أصواتاً تتحدث العبرية، مادت الأرض تحته. عرف أن الموت بات لصيقاً أكثر من أي ليلة مضت. «آخ، لو اني جلبت الشنط».
المسؤول عنهم طلب منهم أن يجلسوا في أماكنهم وينتظروا. أحدهم همس أنه سيستغل الفرصة ليدخّن. جابر قال له: ولماذا يقتلك الإسرائيليون. أقتلك بنفسي قبل أن تشعل السيجارة.
في الليلة الخامسة، كان الشبان الأربعة قد أنهكوا تماماً. عمليتهم التي أعدت في صيدا انطلقت بستة أشخاص. كان الهدف شبه خيالي: استدراج طائرة وإسقاطها. ذهبوا صوب الشريط المحتل. اسلحتهم وعبواتهم تنتظرهم في نقطة وصولهم. هم مجرد مدنيين يصلون الى قرية محاذية للشريط وينتظرون نزول الليل كي ينزلوا معه الى الوديان. يمشون ليلاً، ويختبئون في الأودية والأحراش نهاراً. المجموعة تألفت من ستة عناصر. انقسمت الى اثنتين. إثنان غادرا من أجل القيام بالمهمة الاساسية للعملية. الأربعة كان عليهم إشعال الجبهات ما استطاعوا. هكذا كان. في الليل وصلوا الى اقرب نقطة ممكنة من موقع اسرائيلي في كفرا. امضو نهارهم هناك وانتظروا مجيء الليلة الثانية. مرّ الجيب العسكري الاسرائيلي فأمطروه بالرصاص وهربوا. اشتعلت الدنيا. قصف مدفعي للوديان وتمشيط مجنون. هذا كان خلفهم، في خط انسحابهم الذي افترضه عدوهم. هم تابعوا بعكس الافتراض. أمضوا نهاراً شبه آمن. في الليلة الثالثة كانوا يخططون لإطلاق صاروخي كاتيوشا على موقع ثانٍ. بينما يتحضرون، اطفأ الموقع اضواءه. اختفى عنهم. تركوه وتابعوا صوب موقع ثالث. صعدوا الى طريق وزرعوا عبوة، ومن مكانهم نصبوا الصاروخين. عند الفجر مرت الدورية اللحدية. انفجرت العبوة وبدأ الشبان بإطلاق النار. أطلقوا الصاروخين. أصابا التلة أمامهما ولم يصلا الى الموقع. اللحديون لا يواجهون. يهربون ثم تنهال السماء بلعناتها على المختبئين. مر النهار والطوافات تجوب السماء وتمطر الأحراش بالرصاص. علم الإسرائيليون أن المخربين ما زالوا في أرضهم. المقاتلان اللذان انفصلا عن المجموعة كانا يحاولان اصطياد طائرة بصاروخ «ستريلا». فعلاها. سقطت المروحية في منطقة زبقين ـ الحنية. لكن الشبان الاربعة يجهلون ذلك. يمضون نهاراً مخيفاً. ويعرفون أنه في حفلة الجنون هذه، لن تباغتهم مجموعات عسكرية عدوة.
في الليلة الرابعة يمشون صوب جبل باسيل. يطلقون النار مع الفجر على موقع هناك ويلجأون الى حرش صنوبري. وكما في المرات السابقة. ينتظرون الليل من جديد. صرنا في الليلة الخامسة. باتوا منهكين. جابر لم يعد يفكر إلا بالماء الذي شربوا آخره قبل 24 ساعة. قرروا الانسحاب. بينما هم يمشون، سمعوا صوت الإسرائيليين. جلسوا أرضاً. فكر جابر بالموت وشنط أشقائه. المسؤول عنهم قرر بسرعة. علينا أن نتابع. تابعوا. خفت الصوت العبري شيئاً فشيئاً. نزلوا أرضاً سحيقة لمسافة 15 متراً. حين وصلوا إلى أسفلها، انتصب مسؤولهم فجأة وقال: الحمد لله على السلامة.
[[[
هذه الحكاية عمرها 22 سنة. يستعيد جابر الآن تفاصيلها ببطء. يحاول تذكر أسماء الأماكن. ينسى إسماً لموقع. ينسى إسماً حركياً لرفيق او يفضل ألا يذكر اسمه الحقيقي لحذر ما يبدو أنه كان عادة باتت متأصلة. ايلول سنة .1985 اسرائيل انسحبت في الربيع من معظم الجنوب والبقاع الغربي وحافظت على الشريط الحدودي وجزين. جابر ورفاقه عادوا من المشوار الذي أرسلتهم «جمّول» إليه. جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. في ندائها سنة 1982 قالت للبنانيين بلسان جورج حاوي ومحسن ابراهيم: الى السلاح!. هكذا كان. عملية بيروت الأولى قام بها خالد علوان الذي لم يكن حزبه في عداد الجبهة. تتالت العمليات في المدينة المحتلة. امضى الاسرائيليون اياماً مرهقة قبل أن يصرخوا بمكبرات الصوت: يا أهالي بيروت لا تطلقوا الرصاص. نحن منسحبون». بعدها بدأ اللبنانيون حربهم. القومي وأمل والشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي. المنشقون عن أمل أقاموا معسكرات لهم في البقاع. تدربوا. انخرطوا في المقاومة وسموها جهاداً. لاحقاً سيصيرون حزب الله. الحكاية طالت كثيراً. تساقط شهداء واستشهاديون. وتبنت أطراف عمليات قامت بها أطراف أخرى. فوضى لربما كانت خلاّقة حينها، على الرغم من عدم وجود هذا المصطلح حينها. ظلت هذه القوى تقوم بالعمليات مع أنها غرقت في صراعات داخلية دامية، ومع أن المقاومة تداخلت بالحسابات السياسية، فصارت العمليات تهدى، كمفاتيح المدن، الى الرئيس القائد. جابر، الذي تركناه سالماً أعلاه، وناصر الذي سنتلقي به في مكان لاحق من هذا النص، كانا مسيسين حين انتسبا الى جمول وقاتلا فيها. هذا لا يعني أنهما مختلفان عن منتمين الى احزاب أخرى قاتلت. في الكمين ضد الدورية الاسرائيلية، يتشابه هؤلاء: شبان لبنانيون يقاومون محتلاً. حقيقة بديهية لا تفهم في السياسة ولا تستدعي سؤالاً. جابر نموذج مثالي. مقاتل عادي وطالب جامعة، موظف لاحقاً اختفى وجهه بين وجوه الملايين الأربعة. فقط حين يلتقي برفيق تعرف عليه في «مشوار» سيفرح به ويتبادلان أرقام الهاتف، وربما يسأله: لكن ما هو اسمك لأسجله؟
[[[
لم تكن لإسرائيل تلك العين الجبارة التي ترصد كل حجر. أولاد تلك الأرض كانوا يعرفون ذلك. هم ليسوا كما تراهم مخيلات جامحة، قادرون على تحقيق معجزات. هم شبان يمشون في أرض يحفظونها. ويعتمدون على تدريبهم العسكري، وعلى معلومات تأتيهم من الداخل المحتل، وأحياناً على امرأة يطرقون بابها ليقولوا لها: معنا جريح.
في رب ثلاثين، كان على ناصر ورفيقه أن يزرعا العبوات على طرف الطريق. معهما نحو 45 دقيقة قبل أن تمر دورية راجلة لجيش لحد. رفاقهما الثلاثة كانوا يرصدون الطريق وأعطوا الاشارة اليهما كي يتحركا. كانا يزرعان العبوة الثانية حين دوّى الرصاص. الدورية التي بدلت موعد تحركها المفترض رآها شبان الرصد ولم يكن هناك مفر من الاشتباك معها للتغطية من اجل انسحاب ناصر ورفيقه. استمر تبادل اطلاق النار نحو عشرين دقيقة. سقط بعض اللحديين ارضاً. وأصاب رشق ناري أحد عناصر الرصد في كتفه وخاصرته، بينما أصيب الثاني في ساقه. ناصر ورفيقه المنسحبان صوب مركبا عادا. كان عليهما أخذ الجريحين، حتى لو اضطر الأمر الى سقوطهما قتلى. بعد انسحاب اللحديين انهمرت القذائف. كان المقاتلون الخمسة قد وصلوا الى اطراف مركبا، في ضوء النهار، مكشوفين للطوافات. طرقوا أول بيت لاقوه. فتحت المرأة الباب وأشارت في هلعها الى بيت آخر مهجور كي يذهبوا اليه. المهم ان يبتعدوا عن باب بيتها. هربوا الى حيث اشارت. لاقتهم بعد دقائق تحمل معها قطناً. قالت إنها ستهتم بإسعاف الجريح وإخراجه من القرية.
ناصر ورفاقه أكملوا صوب وادي السلوقي. هذه أرض الانطلاق الى المعارك وأرض الخروج من المنطقة. هناك فوجئوا بمجموعة شبان. رفعت المجموعتان البنادق استعداداً. بعد خبرة في العمل العسكري، لن يحتاج الطرفان الى وقت كثير ليعلمان انهما ينتميان الى جبهة واحدة، وإن كانت المجموعة الثانية تنتمي الى منظمة العمل الشيوعي.
إخراج الجريح من القرية مهمة سيتكفل بها راعٍ في يوم آخر، على الرغم من حذرهم من رعيان ذلك الزمان. يمشي الشاب معه خلف الماعز ويتركه في السلوقي. هذا الجريح نجا بسبب امرأة ورجل لن يراهما بعدها قط. وسيأخذه من النقطة المحررة التي وصل اليها وحيداً عناصر من حركة أمل الى المستشفى حيث سيخضع للعلاج. هذا في زمن كان وصول الخلاف السياسي بين أمل والشيوعيين الى أعلى مراحله.
[[[
«أيها الرفيق العزيز. «صبحان» الحي الباقي. تحية نضالية وبعد...».
إنها الرسالة الثانية التي نرسلها. الاولى لم تستلمها ولم نعرف ما هي الأسباب مع انها بقيت اربعة ايام، وها هي الرسالة الثانية ونتمنى ان تستلمها وعندما تقرأها تضع في المكان الموجود رسالة من طرفك، أي تصلك الرسالة في اليوم الاول تستلمها وتزيل الاشارة عن العمود وتضع انت رسالة وتعود وتضع الإشارة مكانها حتى يستلمها الذي سيأتي بها الى هنا. الرسالة تضعها في اليوم الثاني لاستلامك الرسالة لأن الفرصة أربعة ايام فقط وتعطي تقريراً مفصلاً عن وضعك وهل حصلت على الأغراض المطلوبة ام لا، وارسل الخرائط بذلك وموجود فيها صواعق داخل علبة تنك تفتحها وتركب الصواعق بهدوء، وإذا لم تجد شيئاً اخبرنا ايضا لنبعث لك أي شيء لننفذ المطلوب بأقصى سرعة. ومبعوث مع الرسالة المعاش واذا نقص شيء حتى تحضر نتحاسب. ودمت لحزبك. ضع بحصة حين تضع رسالة من فوقها.
«ج. م. و. ل. وجدت لتنتصر وستنتصر. 13/10/1988».
لسبب ما، لم تصل الرسالة الأولى الى «الرفيق العزيز» في القرية المحتلة. لكن هذه الرسالة الثانية وصلت، واستعادها ناصر من الرفيق في وقت لاحق، واحتفظ بها. ونقلت هنا بأخطائها اللغوية و«صبحان» المشفرة بدلاً من «سبحان».
مثل هذه الرسائل كانت طريق المعلومات الوحيد بين الداخل المحتل والخارج المحرر. الرفيق العزيز قد يكون ولداً في الخامسة عشرة، طالب مدرسة لا أحد يشك فيه، او مراهق ممن يمازح اللحديين حتى يصير شبه صديق وتلتصق به شبهة العمالة. الرسائل المكتوبة على قطع اوراق مستطيلة كانت ترسل في مستوعبات الحليب او الحلاوة تحملها العائدة الى قريتها مع سائق سيارة أجرة ممن يمرون على الحواجز اللحدية من دون تفتيش دقيق. المعلومات من الداخل كانت مصدراً مهماً لعمل المقاتلين.
عملية بعد عملية، تصير المشاوير الى القرى أكثر سهولة، بل تقترب أحياناً حد الجنون. هكذا، تصل الجرأة بناصر أن ذهب الى حولا واختبأ في قبو بيت مهجور لأيام قليلة يدرب خلالها شباناً من القرية على العبوات. جرأة كادت تخذله في مرة ثانية حين وصل الى منزل صديق في عديسة ومعه سبعة آخرون. ناموا فيه وخرجوا نهاراً في سيارتين سارتا في شوارع عديسة ووصلتا الى بيت العميل روبين عبود. نزل الشبان الثمانية من السيارتين يرتدون بزات عسكرية لحدية غنمتها جمول سابقاً. سألوا حارساً عند باب بيت عبود عنه وقالوا إنهم آتون من عيثرون لرؤيته. أجابهم بأنه ذهب الى القليعة. وسأل العميل أحد المقاومين عن حذائه العسكري الجديد شاكياً من عتق الذي ينتعله هو. قرروا انتظار روبين امام بيته. جمول كانت تبحث عن عمليات نوعية. تريد خطف العميل أو على الأقل تصفيته. قال لهم الحارس إن روبين قد يكون في اجتماع. كانت البزة التي يرتديها ناصر قد تبللت كلها بعرقه البارد. عاد الثمانية أدراجهم الى البيت. انتظروا نحو نصف ساعة. وذهبوا مجدداً الى بيت العميل. لم يكن قد أتى بعد. انسحبوا من النقطة كما دخلوا اليها. لم يشعر بهم احد. لكن عمليتهم فشلت.
العملية الثانية لم تفشل تماماً. كانت المعلومة الآتية من حولا حددت موعد مجيء المسؤول الأمني كمال شريم الى مركز في القرية وبقائه فيه يومياً لساعتين. باتت المجموعة ليلها في بيت صديق آخر في حولا. وعند الموعد المفترض لوجوده في المركز ذهبت اليه، لكنها فوجئت به يغادر ومعه مرافقوه. أطلقت النار على السيارة التي هربت. نجا المسؤول وإن أصيب إثنان معه في السيارة. أكملت المجموعة معركتها ضد المركز. استمر الاشتباك لربع ساعة تقريباً، كان المقاومون خلالها قد دمروا آلية وضربوا اربع قذائف آر بي جي على المركز ثم اقتحموه وألقوا القبض على ثلاثة عملاء. في الدقائق الأخيرة قبل انسحابهم، جرى نقاش سريع حول الإجهاز على العناصر الثلاثة أو تركهم أحياء. ناصر يقول الآن ان ليس كل عميل كان ينبغي قتله. هؤلاء خمسينيون مساكين راحوا يتوسلون بحق اولادهم أن نبقي على حياتهم، وكل ما استطاعه المقاتلون المنتشون بالسيطرة على الموقع هو تهديدهم بأنهم سيأتون اليهم في الغد ما لم يتركوا الجيش العميل.
دقائق سريعة انسحبوا بعدها وفق الخطة المرسومة سلفاً. يومها كان يفترض بالمهاجمين، إذا اسروا شريم، ان يخبروا باللاسلكي رفاقاً آخرين يكمنون في الوديان من اجل الاهتمام بسحبه خارج الأرض المحتلة. كان يفترض ان يقولوا لهم: جبنا المعزايات. لكن تلك المعزاة نجت. ومع ذلك، يقول ناصر إنهم، وبينما بدأوا يسمعون صوت الطائرات يقترب، غنوا بأعلى اصواتهم، وربما سمع الناس في بيوت القرية ترداد الأغنية. كانوا يغنون: سيري على ما يقدر الله... والكاتبو ربك بيصير...
ناصر، سنة ,1985 كان الوحيد بين اخوته الشيوعيين الذي سمح له بمرافقة نعش أبيه الى حولا. في ذاك اليوم اقترب واحد منه ووضع رزمة أوراق ملونة في جيبه. خبأ ناصر المناشير في نعش والده. كان شعوره بالفخر لا يوصف وهو يسحب المناشير من النعش ويسلمها لمن اتى يسأل عنها. ناصر يسمي ما فعله يومها «عمليتي الأولى».
[[[
عاد جابر فأرسل الشنط الى اشقائه. هذه ليست هديته الأولى التي ترسل من الأرض المحررة الى المحتلة. ثمة هدية اخرى غالية، أخذها بنفسه. سنة ,1979 كان في الخامسة عشرة. خرج من حولا المحتلة الى الوادي وصعد منه الى شقرا. نام في إحدى زوايا القرية حتى طلع الضوء. استقل سيارة اجرة إلى صيدا. دخل مركزاً للحزب الشيوعي. نظر الرفاق في الولد الذي يقول لهم إنه أتى لكي يتدرب على السلاح. كان حتى ذاك الوقت يمارس المقاومة المدنية، أي إقناع الناس بعدم التعامل مع المحتل وعملائه، وبعدم شراء البضاعة الاسرائيلية. نظروا فيه وهالهم ما تكبده من مخاطر. عدْ الى مدرستك، قالوا له. مدرستي من شأني، اجاب. أخذوه الى إقليم الخروب حيث خضع لدورة تدريب عسكرية. وكما خرج من القرية عاد اليها، حاملاً رشاشاً بلاستيكياً هدية لشقيقه الصغير. جابر استمر في السنوات اللاحقة يرمي المناشير بينما يذهب الى مدرسته حاملاً كتبه. يرش عبارات مثل «ستموت ايها العميل القذر» على الحيطان... ثم يغادر حولا لآخر مرة سنة 1985 ليلتحق بجمّول.
في ذاكرته تلتصق ثلاث حكايات: في عيثرون، وقف رفيقه الكامن بقربه ليلاً محدقاً بالرجل الذي يمشي على بعد أمتار منه. كان والده عائداً الى بيته: «بيي...»، قال الشاب. لسنوات لم ير وجه ابيه. بضعة امتار ويعانقه. لم يفعل. شدوه الى اسفل. جلس أرضاً. وضع وجهه في يديه وانفجر بالبكاء.
في حكاية ثانية، في زمن ومكان آخر، وصل جابر ورفاقه الى غرفة قريبة من وادٍ ذهبوا اليه في مهمة. في الغرفة أغراض الفلاحين وأوراق دخان معلقة كي تيبس، وغالون مياه. شربوا من المياه. في مشوار ثان وجدوا غالونين، وأغطية صوفية. في المرة الثالثة وصلوا فجراً فسمعوا أصواتاً في الداخل. رفعوا بنادقهم وصرخوا: رفاع إيديك...
أجابهم الصوت العجوز: ولك برفع إيدي... وبرفع راسي فيكن يا حبيبات قلبي... انتو رفعتوا راسي.
كان الفلاح السبعيني، حين عرف أن زواراً أتوا في الليل وشربوا، واظب على إبقاء الغالون ملآناً وزاد واحداً ثانياً ووضع الأغطية. من يدري. قد يبردون ليلاً في تلك الوديان الجميلة.
[[[
في الحكاية الثالثة، يوم 25 ايّار سنة ,2000 ذهب جابر، رجلاً في السادسة والثلاثين الى قريته. وصل نهارا وبواسطة سيارة. لم يمض الليل في الأودية كما العادة. كان مخدراً بعودة لم يحلم بها يوماً. وقف مذهولاً يتفرج على أبقار ترعى امام منزل جارهم. حدق طويلاً. لم يكن يفكر بشيء.

lea
27-02-2008, 06:20 AM
جهاد بزي (http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=874&WeeklyArticleId=35748&ChannelId=4741&Author=%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%af-%d8%a8%d8%b2%d9%8a)


يرّن الخلوي مرة بعد مرة. هلال يريد أن يطمئن. بعده أبي، ثم أشقائي. شجرة أبي ونصف فروعها في الضاحية. هناك فرعان في أميركا. أنا الفرع البيروتي. وجوار بيتي يشتعل. لا داع للقلق، أقول. جاد ينام عند جديه لأمه، ونحن في الحمرا.
نحتفل بعيد ميلاد صديقة، ونلتقي صديقنا الآتي في زيارة من دبي. قبل أن يسافر، كنا نراه أقل مما نراه الآن. فهو، المريض بشارع الحمرا، تكاد زياراته إلى بيروت تتحول إسبوعية.
ماذا لو لم تهدأ هذه الليلة؟ نبقى حيث نكون. ماذا لو أقلعت الحرب هذه الليلة؟ نبقى حيث نكون. ليس أنني غير مستعد لإلغاء السهرة فحسب، بل أنني غير مستعد للحظة أن أقلق.
أكثر من ذلك، فلتأتِ الحرب. أو، بالأحرى، فليأتِ الحرب. هذا النشاط الفائض الذي لطالما اشتهر به الذكور عبر التاريخ، لا أفهم لماذا أنّثته اللغة العربية. سأفترضه مذكراً، من الآن وحتى نهاية هذا النص. فليأتِ هذا الحقير إذاً، وأنا بانتظاره.
نصف ساعة وجاء الحرب. جلس بقربي. نظرت فيه، فاستغربت.
عجوز مشوه، وجهه ملآن بالندوب وآثار المعارك. له عينا مجرم تتقدان بالنار. له قرنان مسننان وذيله الشيطاني ممدد خلفه. لونه أحمر قانٍ وصوته عميق وأجش. يخرج من فمه الدخان حين يحكي. يحمل عصا بقرنين معقوفين. ابتسامته شريرة مقيتة... وناباه يقطران دماً.
هكذا ظننته سيكون. لكن لا. كان شاباً، في السادسة عشرة. لا يختلف في ملابسه ولا في قصة شعره عن كل أترابه. عيناه بنيتان حزينتان ومشاكستان على عادة المراهقين. يميل إلى القصر، ونحيل جداً. خجول. أخرق بعض الشيء، وفي وجهه بضعة بثور. لا تملك، وهو جالس بقربك، إلا أن تشفق عليه.
أنت الحرب؟ سألته متعجباً. قال: إيه نعم. ماذا تريد؟
ـ لماذا لا تذهب إلى البيت، يا حرب، فتشرب كوباً من الحليب وتنام؟
ـ لست طفلاً كي تقول لي هذا.
ـ مثل هذه العبارة لا توجهها إلي يا حرب. هذه تقولها لأبيك على سبيل إثبات رجولتك أمامه. أنا مجرد غريب. وانظر أمامك إلى صديقي الأشقر ضخم الجثة هذا. يمكنني، بمساعدته، أن نعيدك إلى أمك متورماً. هل تفهم. هيا عمو حرب. إلى البيت حبيبي.
ـ لا.
ـ يا حرب. اسمع الكلمة وقم واذهب إلى البيت.
ـ لا.
ـ بلى.
ـ لا.
ـ بلى.
ـ لا. ماذا ستفعل؟
ـ لا شيء. سأطلب لك شيئاً تشربه. ماذا تريد؟
ـ أورانج فودكا!
ـ ماذا؟ كنت أظن أن مشروبك المفضل هو الدم.
ـ أتظن أنك أول من يلقي هذه النكتة السمجة. أنت سخيف.
ـ ماذا؟ قم يا حرب. بربك قم. لا جَلَدَ لي عليك.
ـ أنا باق. أنت قم وغادر.
ـ حرب. اسمعني. كنت أظنّك شخصاً آخر. تبين أنك مجرد مراهق نزق لا تعرف مصلحتك. إذهب إلى البيت أقول لك. لا تجرّب سعة صبري.
ثم وقفتُ والتقطتُ الحرب من قميصه ورفعته. كريشةٍ حملتُه. التفتُّ إلى أصدقائي متفاخراً فرأيتهم يضحكون. عدت لأرمي عليه نظرة التشفي الأخيرة قبل أن أحمله عالياً وأرميه بعيداً فينفجر الجميع بالضحك عليه. وقعت عيناي على عينيه. كان ينظر إليَّ بعينين ناعستين نصف مغمضتين. ببطء قال:
لك ولد عمره سنتان. أعرف عنوان بيتك. أعرف كل شيء عنك. سمعتك تحكي عني كثيراً، مع زوجتك. مع أبيك وأمك وأشقائك وأصدقائك. تجولت في بيتك الجديد الذي تنتظر انتهاءه كي تنتقل إليه. أرى الصور التي ترسمها في مخيلتك لغرفتك الخاصة. جلستُ في الركن الذي تعده للاسترخاء فيه، للقراءة وسماع الجاز وفيروز. رأيت شرفتك العارية وزدت عليها من أفكارك، ستائر الزجاج والكراسي وأصدقاءك تلعب معهم ورق الشدّة. أرى الألوان التي تطلي بها الجدران والصور التي ستعلقها عليها. أقطن في بيتك.
كنت أقف بقربك على درج المبنى وأنت تبكي، ترفض أن تذهب إلى بيت خالتك الآمن في بيروت، بينما والدك سيبقى في البيت غير الآمن في الضاحية. متى كان ذلك، في الثمانينيات؟ كنتَ ولداً يومها. أما زلت تذكر المرة الأخيرة التي نزلت فيها إلى الملجأ؟ أنا أذكرها. كانت وداعاً غير لطيف مني. كنتَ في ذاك اليوم من تشرين ترتجف. عليَّ فقط أن أرمش بعيني كي ترتجف كورقة. أعرفك. أعرف جبنك. أعرف كرهك للدم. أعرف غرامك بتفاصيل حياتك الحقيرة. بحرُك ونوع نبيذك ودفاترك العتيقة الصفراء. أنت نكرة. لا شيء. مجرد واحد آخر تافه مطلق العجز. ضئيل كنملة. حين أدوسك، فبإرادتي، وحين أخطو من فوقك، فبإرادتي. أنا أرى الأشياء كلها، حتى التي مثلك. من أنت حتى تنظر فيّ؟ من أنت؟ من أنت حتى تكرهني أو تحبني أو تخاف مني أو تحتقرني؟ أنا الحرب يا فتى. أنا الساحق الماحق الذي لا قبله ولا بعده. أنا البداية والنهاية أنا. أنا الذي كان وما زال وسيظل، بغض نظري عن كلكم. بغض نظري عمّا أفكر فيكم، عن إحتقاري لكم وقرفي من جنسكم. أنا لست الموت. الموت بعض قليل مني. أنا أكثر اتساعاً من الموت. أنا أبعثر الحياة كما يبعثر طفل بيت نمل بعصا. ألعب بكم. أبعثر الوقت والمكان والعمر الذي كان والعمر الآتي. أشكّل الذكريات. أصنع الأرامل. أنحت الحزن في العيون. أنا من إذا أراد جعل أنفاسك تتراكم على قلبك، نفساً بعد نفس، كصخرة فوق صخرة. أنا الجحيم الذي لا مفر مني.
مَن تظنني حتى تأتي بي إلى نصك؟ طقس عاصف تنصح بالحذر منه؟ شخص كريه تلفت أصدقاءك إلى مساوئه؟ لماذا تخاطبني؟ كي تخسر بعض خوفك؟ ستظل خائفاً مني، أتيتُ أم لم آتِ. ستظل أبداً تخاف مني، فلا تمازحني. أنظر إليك. تهذي بي ليلك ونهارك. تتلعثم أفكارك بي. تجدني في وسادتك حين تنام. أنظر إليك وأنا أسكنك من ألفك إلى يائك. تعرف أنك لن تنتصر علي، فإياك أن تتذاكى مع هائل مثلي. اياك أن تلاعبني. إياك أن تؤنثني أو تذكرني أو تجعل مني شيطاناً أو مراهقاً. لا تقترب. أنا فوق مقدرتك على الفهم أو على الخيال. أنا رعبك وقد اكتمل، فلا تجلبني إلى نصك ولا تتجرأ على مخاطبتي. أنا هذيانك الذي يضج صوته في قلبك. أنا كاتب نصك هذا. وأنا الذي قرر منذ الكلمة الأولى ما سيكتب فيه. وقد ضجرت الآن. وأنت لا تستحق وقتي.
هيّا. وقّع على ما أمليته عليك واذهب. النص انتهى.
http://www.assafir.com/Images/Logo.gif

Daniella
27-02-2008, 11:18 PM
روعة متل العادة..

Bintelbalad
10-05-2008, 08:21 PM
بيروت في نهار هدوئها النسبي قبل ليل المعارك: مدينة مقطعة الأوصال

الثامن من أيار 2008. هنا بيروت العاصمة. مدينتك.
إن أردت أن تجول فيها، فالدراجة النارية بساط الريح السحري، لا تطير به، بل تعلو عبره الارصفة وتحاذي معظم العوائق، وهي من اطارات تحترق ومن مستوعبات النفايات الخضراء مرمية في منتصفات الطرقات، ومن تلال ركام وحجارة ومن اي شيء يمكن ان يقطع طريقاً.

السيارة من دون طائل. لن تأخذك الى مكان. ستحاول وتحاول وتجدك في سيارتك عالقا في سيارتك تدور حول نفسك. بيروت الغربية، وعذرا على تعبير عائد مشؤوم، جزر معزولة تفصل بينها الشرايين الرئيسية للمدينة، وقد سيطرت عليها المعارضة، او بالاحرى حزب الله وحركة أمل ومناصريهما، وقطعتها.

ونقاط المعارضة تتداخل مع الجيش اللبناني في نقاط معينة، وتبعد عنه في نقاط أخرى والتنسيق بين الطرفين ممتاز، فلا اشكال ولو يتيم وقع بينهما.

الخندق الغميق مليء منذ ساعات الصباح بالمراهقين يقفون عند الشوارع المؤدية الى جسر فؤاد شهاب، أو يجولون على الدراجات النارية الصغيرة. يمرحون. جسر فؤاد شهاب مقطوع بالنار عند المفترق الذي منه تترك الجسر لتصعد صوب بشارة الخوري . لن تستطيع الوصول الى الاشرفية او تأتي منها. هذه منطقة للمعارضة بطرفيها. منها الى سليم سلام.

النفق مقطوع. والجيش يقف في نقطة فوقه. عند حسينية زقاق البلاط ينتشر عناصر حركة أمل. السلاح ليس ظاهراً، والسؤال عن "الاذاعة" او القناة التي نعمل فيها يتكرر عشرات المرات. تصوير الوجوه ممنوع، والمرور مسموح حيناً أو ممنوع حيناً آخر، بحسب مزاج الشاب الواقف عند العائق. الجيش متواجد هنا، وسيارات كثيرة تعود ادراجها، والشاب يقلب مستوعب نفايات. مهول أمر النفايات، تترك ليومين فحسب، فتنتشر في كل مكان.

شرفات الابنية في سليم سلام خالية.

الطريق الى مار الياس، مروروا من زقاق ملاصق لحي اللجا دونه مسلح يحولنا الى طريقة اخرى للذهاب، ليس عبره. الشارع التجاري سيطرت عليه المعارضة. قطعت كل متفرعاته ناحية حي اللجا، بينما أوقف الجيش ملالاته في كل المتفرعات المؤدية الى تلة الخياط.

مار الياس يعج بالشبان عجاً. لا سلاح ظاهراً هنا. المارون اناس يحملون حاجياتهم الغذائية آتين بها من حي اللجا. لا يتعرض الشبان لأحد، لكن واحداً انشقت الارض عنه بسيارته قرر ان يهرب، فطارده العشرات، واوقوفه في طريق فرعي، واختلط الجيش بالشبان بالمسؤولين عنهم يردونهم عنه، بعدما ضرب وحطم زجاج سيارته قبل ان يخرجه مسؤول من الشارع.

الإغلاق عام بالطبع، ما خلا بضعة محال في تلة الخياط، منها محلات الخضار، على صنادقيها ازدحام متسوقين مكفهرين. مار الياس يدين للمعارضة. عند نهايته العليا ترتفع النار حدا فاصلا بينه وبين عائشة بكار، المفصولة بدروها عبر الجيش عن البسطا التحتا، حيث النقطة الاخيرة للمعارضة عند جسر البسطة التحتا.

في المدينة شبان صاروا اصحاب سلطة. لم تبدأ الحرب بعد، الساعة ما زالت الحادية عشرة صباحاً، عصراً ستندلع الاشتباكات. إنها الفوضى الآن سيدة الموقف. هؤلاء الشبان يلتزمون باوامر مسؤولي حزب الله وحركة أمل حاملي الاجهزة اللاسلكية، الاكبر سناً والاكثر هدوءاً. غير ان انفعالات الشبان، نشاطهم المفرط، اصواتهم العالية، سعادتهم بهذه السيطرة المفاجئة لهم على الشوارع، دراجاتهم النارية التي لا يمكن لعين ان تلحقها او ترصد اعدادها ولا الوانها ولا احجامها، حماستهم للسؤال عن وجهة السير ومنعها والسؤال عن المؤسسة الاعلامية، حيويتهم الهائلة هذه تصبغ المشهد بصورتهم. أما الناس، ربات وارباب البيوت، فوجومهم يشي بمخاوفهم وقد عادوا إلى نقطة الصفر القديمة، الى تأمين الاولويات، الخبز والطعام، تحسبا للأسوأ. هؤلاء يذكرون بالحرب الاهلية.

من مار الياس الى كورنيش المزرعة. الجادة مفتوحة لجهة البحر ومقطوعة عند بربور. في فرن الامراء، يحتشد الناس امام الصندوق، يدفعون ويخرجون ليحمل واحدهم ثلاث ربطات او اكثر. في دقائق تفرغ الشاحنة. تقول عاملة الصندوق ان الفرن باع اكثر من 800 ربطة في اول اربع ساعات بعد افتتاح الفرن. وسائق الشاحنة يعد بأنه بعد ربع ساعة ستأتي حمولة جديدة من فرع الفرن في خلدة.

الى كورنيش المزرعة. الطريق الى بربور مقطوعة. عناصر المعارضة متجمعة جالسة على رصيف متجر ادريس. بعضهم ملثم. مسؤولهم يطلب منهم ان يزيلوا الاقنعة عن وجوههم، لأن هذه صورة ليست جيدة في الاعلام. والاعلام هنا كثير نهارا. في اغلبه محسوب على المعارضة، في الجهة الثانية وسائل اعلام موالية.

قوات المجوقل يفصل بين متفرعات بالجنود والملالات بين هؤلاء وبين عناصر المستقبل المتجمعين في الشارع الملاصق لجامع عبد الناصر. حين يطلب الجيش من الاعلام ان يغادر، تسري اشاعات غير مقنعة أنه يتجه الى حسم الموقف.

الحرب هنا ستفتح بعد الخامسة عصراً. والى ذلك الحين، نتابع الجولة الهادئة نسبيا.. الى مطار بيروت. نعود ادراجنا، وننزل الى الكولا. الجيش منتشر في محيط الجسر والطريق الى وطى المصيطبة مقطوعة. الطريق الجديدة سالكة من هنا، لمن يجرؤ، والجادة المتجهة الى المطار تنقطع عند مستيدرة السفارة الكويتية. الاوتوستراد يتقطع مرة بعد مرة بتلال التراب وبالاطارات المقطوعة، وفي آخره، يتجمع الشبانز يلعبون كرة القدم في الطريق، ويخرج من شاحنة صغيرة صوت الاناشيد الحماسية، ويتجمع اناس حول سيارة لبيع القهوة، والكثيرون يدخنون الاراجيل. يغيب الجيش بالطبع، ويشعل الاولاد الاطارات، ويتحدثون الى مراسلي وكالات صحافة اجنبية، وبالمئات تتجول الدراجات النارية. من هناك، وبصعوبة شديدة، الى طريق المطار القديم. المشهد نفسه: تلال رملية، آخرها قرب مفرق الكوكودي. العابر عن هذا الحاجز لا يعود يفصله شيء عن المطار. عابرو هذه النقطة، الآتون مشيا على الاقدام يجرون حقائبهم خلفهم، أتوا من مناطق لبنان كافة. لا يعرفون ما اذا كانت طائراتهم ستقلع ام لا. والرجل الاتي وزوجته من الحدث، يقول ان طائرته ستقلع عند الخامسة، وهو وصل قبل اربع ساعات. يلقي عبارات سريعة بينما يقحم حقيبته في صندوق سيارة الأجرة. ذاهب الى فرنسا من هناك الى المانيا. الحمد لله كلنا برا يقول مشيرا الى ابنائه المنتشرين في العالم. زوجته تقول أن "خلوا لنا البلد". توجه كلامها إلى لا أحد.

سيل المسافرين النازلين عند هذه النقطة سيستمر لساعات. ومع الليل، كانت آخر الطائرات على المدرج قد غادرت تباعاً. وبعد تأخير بالطبع. المسافرون يمشون لمسافة طويلة متجاهلين خدمات بعض سائقي الدرجات النارية الذين يريدون حمل حقائبهم. يصلون الى سيارات اجرة المطار، حيث يدفعون عشرة دولارات أو أكثر لقاء توصيلة بضعة مئات من الامتار. بالكاد يتحدثون، ومعظمهم يرفض الاجابة عن الاسئلة. يستعجلون الوصول الى صالة المغادرة.

مطار بيروت خاوٍ. صالة الوصول، لولا الحياء، مقفلة، واللوحة تشير الى الغاء كل الرحلات الآتية الى بيروت. فوقها تتمدد صالة مغادرة خالية ايضاً. الواصلون بالتقطير اليها لا يتوقفون، بل يركضون ركضا الى النقطة حيث الدرك يفحصون جوازات السفر قبل ان يختفوا في القاعات الداخلية. لمرة واحدة، دوى صوت مسجل في ارجاء المطار يعلن باللغات الثلاثة ان هذا مطار رفيق الحريري الدولي، ومرحبا بكم في مدينة بيروت. الصوت رحب بالمغادرين ركضاً. اما الصالة، فلم تعد للمغادرين، بل صارت صالة للفارين بجلدهم من المدينة التي ترحب بهم.

السيدة المحجبة كانت تبتسم وهي تقول انها آتية من دير قوبل. هل هي في اجازة؟ لا تجيب. انا مقيمة، وهلأ فالّة!
تجر بيدها طفلاً أشقر. حين تتجاوزنا، يلتفت الطفل ضاحكاً، ويلوح براحته الصغيرة للكاميرا: باي، يقول.
لا نملك إلا أن نفرح له.


(جهاد بزي - السفير 9 أيار 2008)

---------------------------------------------------------
أكثر الأشياء "حقيقة"..هي تلك التي لا نراها.

Bintelbalad
10-05-2008, 08:30 PM
إلى هامش حرب بيروت

حبيبتي..

انت في قبرص. جاد في بيت جده. أنا الآن في الجريدة. الخامسة صباحاً. هذا أطول يوم أمضيه في السفير. كنت سأنام، لكنني قررت أن أنزل إلى المطبعة. عالم مدهش. هذه المرة الأولى التي أرى فيها مانشيت السفير مكتوبة بالقلم على الورق، ثم أراها تخرج من هذه الآلة الخلابة في جريدة فوق صورة مسلح. أخذت عدداً سحب لتوه من بين صف الأعداد المرصوفة فوق بعضها البعض تمشي على الخط. اعذري لغتي هذا الصباح. لن تكون كما تحبينها ربما. أنا اكتب من دون أن أفكر. يا الله يا منال كم لدي ما أقوله، ولا أستطيع أن أقول شيئاً.

سأجرب. سأخبرك قليلاً. لأبدأ. صباح الخير يا منال. جاد بخير. جاد بقلبي. بيروت على عادتها، مجنونة. أنت وبيروت، صعبتان، ولا أعرف العيش من دونكما. وأنت لست هنا. وبيروت ليست هنا. أظنني في أكثر كآبتي إذ اظنها جميلة في حربها. أظنه سهري الطويل والنبيذ الذي شربته، يأخذانني الى حنين غريب. كأنه حلم كنت انتظره، يتحقق. كأنها بيروت في تلك الحرب العتيقة، وصحافيو "السفير" عالقون فيها، ينامون على مقاعدهم. كأنني أحقق حلماً. كنت أحسدهم حين أتخيلهم في الجريدة يصلون الليل بالصباح. الآن أنا في "السفير" وفي الحرب الأهلية، والفجر يبدا بعد قليل، وازيز الرصاص باقٍ. ومع ذلك فأنا هادئ. أليس غريباً كلامي؟ هذا ما أشعر به. لعلّي أواجه ما حدث. لعلي أمدّ ذراعي أمامي أدافع عني، أنا جاد وأنا منال وأنا كل ناسي.. لعلي خائف، ومع ذلك لن أدعهم يهزموني.

أنا خائف. هذا ما أشعر به وأكتبه كلما وقعت حرب صغيرة او كبيرةز انا خائف انا خائف انا خائف. هكذا صرخ الاطفال في رواية لغونتر غراس. انا خائف. يا له من صدق شفاف كماء. يا لها من جرأة لا يستطيعها لا قائد ولا مسلح يختبئ في جدار، ولا متباه غبي. انا خائف. يا لها من حرية يا منال.

في اليومين الماضيين كثر حبه لي، قلبك. يطلب من جده أن يتصل بي، ويروح يحكي ويضحك، ويحبطني انني ما زلت جاهلا بلغته. لكنني أفرح. يخبرني اشياء سعيدة، تتقطع كلماته بضحكات وصرخات سعيدة. أخباره حلوة جادي. اخباره حلوة وكثيرة. "وينك يا بابا" قال لي او انني قررت ان اسمعها. هذا كان يوم الاربعاء. عدت الى البيت عند العاشرة ليلا. أخذت السيارة وذهبت اليه. الطريق كانت صعبة، لكن ليس خطرة. لعب بي قليلا ثم رماني جانباً. وحمله جده ماشيا صوب الجنود الذين ما ان رأوه حتى ركض اثنان منهم صوبه. صديقان جديدان. لا يمر يوم من دون أصدقاء جدد. غادرت. اليوم صباحاً ذهبت اليه. عند العاشرة كان الكسول نائما، يضع كفا فوق كف، تحت خده. تفرجت على قرف الشوارع وعدت اليه. كان استيقظ. صوره صديقي فصار يضحك. تركته الى تفاهة الفرجة على اللبنانيين يتناتشون. شعرت بصالة المغادرة كنفس عميق بعد طول اختناق. وددت لو انه الان، على عادته، يرفض ان امسك يده، ويركض امامي، واتبعه الى الدركي الذي سيصير صديقه قبل ان يسمح لنا بالمرور الى طائرة تحملنا بعيدا عن هذا البلد.

أمضيت نهاراً من دون خطر. أظنه يحميني. ليلاً، حين علمت أن صوت الرصاص يسمع في بيت جده، سخن قلبي. منال. امتلأت غضبا وعجزا. امتلأت بحقدي على لبنان. ما سبب وجودي حين اعجز عن حمايته؟ غير انه صغيري الابدي، على كتفه سأتكئ كل عمري. اعلم هذا. يطمئنني حين أكون خائفاً. هو لم يخف. جلس يلعب في مغطسه الأبيض في ممر البيت، وازيز الرصاص يرتفع. صغيري لا يخاف. حدثني على الهاتف. خبأني، ضحكة اثر ضحكة في قلبه، فازال عني رعبي. ارتحت. في الاتصال الذي بعده، سأله جده: تريد ان تحكي مع بابا؟ سمعت "لأ" بعيدة حازمة. عرفت انني لن أغير رأيه الان. فقد ضجر مني ومن خوفي ومن اتصالي كل خمس دقائق.

منال..

أمضيت سفرك تبكين. أعتذر كثيراً، أحبك أكثر. أحبك نهراً تعرفينه.. لا يصل.

صباح الخير.


(جهاد بزي)

------------------------------------------------
أكثر الأشياء "حقيقة"..هي تلك التي لا نراها.

Bintelbalad
05-08-2008, 10:04 PM
نعسان...
لو أنام. الآن حيث أنا..
أغمض عينيّ وأغفو.
أغلق أذني ودماغي وحواسي كلها وأغفو، فقط لو أنام.

أنا الآن مجهد. المسافة بين نقطتين تتعبني مهما كانت مستقيمة وكيفما عبرتها..
تتعبني إعادة ربط شريط حذائي. وأكره البحر.
لا أكرهه لذاته بل أكره الذهاب إليه في يوم أحد طويل وأجلس تحت شمسه تشويني بدون ذنب اقترفته.

أكره البحر. أكره السينما.. أكره الإنترنت والتلفزيون والسياسة والشعراء الشباب بتجاربهم العقيمة.

أكره السكون والضجة.. أكره نفسي.. لو أنام.. فقط لو أنام.

لو أقف إلى جدار.. أسند كتفي عليه وأغفو.. الله!
أحلم أنني نسيت فعل التفكير. هذا الفعل الغبي الذي يلحقني صوته الوقت كله..

أحلم أنني نعسان. أحاول أن أنام وأحلم. أعدّ خرفان بيضاء جميلة.. تقفز فوق سور خشبي جميل.. في مزرعة خضراء جميلة.. تحت سماء زرقاء جميلة..
خروف.. خروفان.. ثلاثة خراف...


(المصدر) (http://jihadbazzi.maktoobblog.com/1089803/%21)

Daniella
13-08-2008, 07:54 PM
نبيـذ محمـود



جهاد بزي (javascript://)




من أنا لأخيب ظنَّ العدم؟
محمود درويش
لكأس لغتك، نبيذ اللغة.
قليل أنت على حروفنا القليلة. قليلة عناقيد عنبك في كروم ناطورة أورشليم السوداء الجميلة. قليل أنت على مرّها وطيبها وخوفها على نوم حبيبها. قليل على من بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف تنتظرها. قليل أنت فينا. قليل عتقك في خمرنا.
غادرْ. خلفك تُنثر ورود ونسوة وكؤوس نبيذ. خلفك يتهادى قمر وياسمين وصديقة حرّة. غادر. خلفك يرمي حنيننا سطوراً لا تستوي طولاً ولا قافية، وتستوي عطراً. خلفك تفك بيروت حصارها وتمضي. تحمل قهوتها وبحرها وتمضي. تأخذك إلى حيث أنت كنت، قبل القلب وقبل الحزن والفرح وكتب الله السماوية. إلى حيث أنت كنت، ترسم حروفنا غماماً وبحاراً وبلاداً ووعوداً لسيدة الوعود. غادر. لا بد لك أن تغادر قبل أن تعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة. غادر. لا بد لك أن تقبل بعضاً من موتك يا شاعر.
وفي رحيلك، يا رسول الشجن الشاحب، غنّ للفرح خلف أجفان العيون الخائفة، لأن العاصفة حين وعدتك، وعدتني، بنبيذ وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح. غن وأنت تغادر، يا شاعر أيامي الصغيرة.
»وليكن«، قل لموتك. قل للغتك، يا لغتي العربية الفخورة. قل يا غيرتي من لغتك ومن منبرك ومن صوتك ومن قميصك الابيض بلا ربطة العنق. »وليكن«، قل لموتي الآتي حين تلقاه. قل لموتنا كلنا: لقد مررت مرور النبيذ على عنب الدالية. مرور الأسماء على الناس. مرور الندى على أعناق النساء. مرور خط الدمع على ورق القصيدة. مرور اللغة على سطر العرب.
»وليكن« يا موتنا جميعاً، فقد مررت شاعراً في العرب.
دعك منه يا محمود، دعك منه هذا الموت. مريم، الجاثية عند صليبك، تغني. كيف تمضي يا حبيبي، كيف تمضي؟ أخبرها أنك تعود. يا كاتب العنب تعود. يا عاصر الزيتون تعود. يا واقفاً على شرفة الله ترى منها ما تريد تعود. يا قاسم الخبز والنبيذ تعود. يا شاعر القلب المفتوح على السماء والمدينة القدسية تعود. أخبرها أنك، بعد ثلاثة أيام يا ابن فلسطين، تعود.
أخبر مريم، يا معلم، أنك تعود.
غادر لتعود. هل كتبت كل شعرك وكل نثرك؟ أنت الآن، وقد ذهبت خلف جداريتك البيضاء صرت تعرف. هل حقاً أجمل الكتابات هي التي لم يتركك قلبك لتكتبها؟ هل حقاً تكتب ما شئت حقاً إذ تموت؟ أخبرني. هل كنت تنتظر مجيء موتك إليك كي تكتب قصيدتك الأولى؟ قصيدتك نبيذ فيروزك ونسائك وبيروتك وفلسطينك. قصيدتك نبيذ شهوتك ونشوتك وكتبك وموسيقاك ونبيذك. قصيدتك، نبيذ لحظتك حين اختتام القصيدة. قصيدتك نبيذ نبيذك. نبيذ لغتك يا نبيذ اللغة.
هل كان عليك أن تموت لتبدأ الكتابة بالنبيذ؟
غادرْ.
موتك غالٍ. أكاد أحضنه كالرشفة الباقية في كأس نبيذي الأبيض. كالسُلاف أنت يا شاعر. كآخر من تبقى من نبيذ في خابية النبيذ. يا عشباً على حجر. يا أمهات يقفن على خيط ناي. يا نهاية أيلول. يا ساعة الشمس في السجن. يا غيماً يقلد سرباً من الكائنات.
غادر.
وليكن موتك يا محمود... وليكن. يا من على هذه الأرض تستحق، بعد موت الأيام الثلاثة، تستحق نبيذ الحياة.

Bintelbalad
14-08-2008, 09:03 PM
بحثاً عن الحرب

إلى الأيوب

في الثامنة من صباح الرابع عشر من آب عاد الإحساس بالوقت.
طوال ثلاثة وثلاثين يوماً، كان الزمن يمرّ من دون الإنتباه إليه. لم أكن أعرف تاريخ اليوم، واسمه. لم أحفظ قط ما هو رقم اليوم في الحرب. كنت ألجأ إلى الصحيفة التي تعد تلك الأيام في سطرها الأول، لأعلم كم مرّ علينا.

حين يضيع الإحساس بالوقت، يصير مروره أطول..أصعب. تعذيب إضافي يشبه الحرمان من النوم في السجون.
ثلاثة وثلاثون، رقم قليل الآن. حينها، أتى الرابع عشر من آب كأنه وصل أخيراً، بعد دهر. غير أنه بدا، أيضاً، كأنه اليوم اللاحق للثاني عشر من تموز. كأنّ شهراً لم يمر. كأنّ يوماً واحداً بدأ صباح الأربعاء في 12 تموز، وانتهى صباح الأحد في 14 آب.
ليوم واحد استمرت حرب تموز، أو لدهر. لم أعد أذكر.
بعيدة تلك الحرب. بعيدة جداً. أجدها، إن أنا بحثت عنها؟


رائحة
أحاول وأفشل في استرجاع تلك الرائحة. مراراً حدقت في الباب الحديدي المغلق للشاحنة المبردة الواقفة إلى جانب مستشفى صور الحكومي، في مخيم البص. هناك كانت تفوح رائحة الموتى. تخرج من الباب المغلق وتعلق في الهواء الصيفي الرطب. حين يفتح فم هذا الحوت الأبيض لأخذ نعش جديد، كانت الرائحة المتجمعة في الداخل تخرج في سحابة بخار بارد تمر على الوجوه القريبة وتتلاشى. كانت الحياة مستمرة حول الشاحنة. دكاكين مفتوحة يجلس أصحابها على كراسٍ بقرب واجهاتها. أطفال يلهون ويروحون ويجيئون ويأكلون البوظة. شبان يتحلقون حول طاولة البلياردو. وناس. فلسطينيون ولاجئون جنوبيون. ورائحة الموت واقفة في الهواء.

الصعود إلى الشاحنة لم يكن مغرياً. لا أحد فيها إلا ذكريات آخرين لا حق لي بالتلصص عليها وقد صارت هكذا، جثثاً مشوهة هامدة في نعوش خشبية متقشفة بأرقام وأسماء. نعوش يضيق بها الصندوق الكبير البارد. بينها فسحة صغيرة كان شبان يعبرونها مسرعين ليضعوا حيثما يجدون مكاناً نعشاً جديداً. في المستشفى أعدّت الصناديق بمقاييس مختلفة لتكون جاهزة لموت الناس. بعضها صنعت بعد وصول القتيل، كي تقدر على احتواء أطرافه المرتفعة المتيبسة.

لمرة واحدة صعدت إليها. كان المصورون يحيطون بقتيل يلتقطون صوره بينما يقفل عنصر الدفاع المدني السقف عليه. سدّوا عليّ رؤية الجثة، ولم أحاول النظر من فوق رؤوسهم. لم أصمد أكثر من دقيقة إمتنعت خلالها عن التنفس. حين قفزت منها، ملأت صدري بالهواء المثقل بالرائحة.

الآن، حين أحاول استرجاع الرائحة أعجز. لكنني أعلم أنني بتّ أميزها. قبل تلك الحرب لم أكن أعرف رائحة الموت. الآن، وبينما أجرّب استرجاعها الرائحة، أرى صور النعوش الخشبية، الكبيرة منها للرجال والصغيرة للأطفال. أرى الباب الأبيض مغلقاً. أحدق فيه وأضغط على أسناني، يملؤني حقد لا يحتمل.


عيون
لن أتذكر إسماً، غير أنني لا أنسى العيون. عينا ابن قانا الذي فقد كل عائلته. في المستشفى صباح المجزرة يحكي قليلاً وينظر كثيراً في الأرض أمامه. قليلاً ما تلتقي عيوننا. أخجل من النظر في حزنه، وتتوه عيناه في ما لا يمكن أن أن تراه إلا عينا واحد فقد فجراً زوجته وكل أطفاله. هو نفسه، في الرابع عشر من آب كان في منطقة صور ينتظر الجرافة كي تفتح الطريق كي يعود إلى بيته. يومها لم تهرب نظراته. "صعبة. صعبة"، قال عن أيامه بعد مذبحته. و"مع ذلك، إكتب، فداء للمقاومة". لا تكذب عيناه. تتحديان وهو يكرر عبارته. لم أحكم عليه سلبا او إيجاباً.

والآن لا أحكم عليه سلبا أو إيجاباً. أعلم أننا تناحرنا طويلاً حول هذه العبارة المتكررة، وحكمنا على أصحابها من خلالها. لكنني لن أحكم عليها لأنني لا أدعي أنني أفهم أصحابها. أنا اختلف عنهم. لست نقيضهم لكنني أختلف عنهم. أعلم هذا. أعلم أنه لم يعد عادياً مثلي. لقد مرّ في التجربة التي لا تصدق. أعلم أنه عليّ فقط ان أحترم كلامه كما هو، وألا أستخدمه ضده. عليّ حين أنظر في عينيه أن أعلم أنني لست قادراً على رؤية العالم بعينيه.


خوف
فقط حين سمعت صوت الصواريخ تهوي، لمستُ الحرب. كان الواحد منها يصفر كأنه يسقط بطريقة لولبية. حين يغيب أزيز طائرة التجسس، هذا الأزيز الكئيب الذي يخترق الجلد كأبر صغيرة سريعة متلاحقة، يقوى هدير الطائرة المقاتلة الخفية. يعلو إلى الأقصى، ثم يختفي لتبدأ صفرة الصاروخ، خفيفة أيضاً، ترتفع بسرعة. هي بضعة ثوان. مع الصوت الذي يبدو آتيا نحوي أركض. أسمع لهاثي وصوت قلبي الطارق بعنف. أراني ممداً وساقي المقطوعة بعيدة عني. أراني ممزقاً إلى أشلاء. يسود الصمت ويدوي الانفجار. أفكر أنني نجوت.

أين تُرمى هذه الصورايخ؟ ليس بعيداً من هنا. هل قتلَت أحداً؟ لا أظنني فكرت بهذا حينها. كنت أفكر بي. حقاً تمرّ حياة الواحد أمام عينيه في لحظات الخوف الشديد الساحق. تمرّ حياته أمام عينيه، بلا ترف الأسئلة الكبيرة عن النجاح والفشل. تمرّ حياته الرقيقة. تمرّ وجوه. رضيعٌ وحبيبة وصديق وأم وأب. تمرّ الحياة كما هي، الحياة التي أحبها. أظنهم مثلي أولئك الذين قتلوا في الحرب. من واجه منهم لحظاته الأخيرة خاف كثيراً، ومرّت عليه وجوه رقيقة ورأى نفسه أشلاء ممزقة. أظنه فكر أيضاً أنه أحب الحياة التي بعد لحظة سيخطفها منه قاتله. أظنه تعلّق بها حتى اللحظة الأخيرة، حياته التي أحبها.


بحر
في ذاك اليوم نفسه، سبحت في بحر صور، كأنني أرتمي فيه لأغتسل من الخوف الذي اجتاحني وأصابني بخجل الذكور من أنفسهم حين يخافون. كان محرجاً هذا الخوف من الموت بعد عدد لا يحصى من أطفال ينتشلون من تحت الركام. لكن، هل هي حربي هذه كي لا آسف إن قُتلت فيها؟ ليست حربي، أنا الذي يكره الحروب؟ غير أنني هنا، وليس أنا من قرر الحرب. اسرائيل هي التي قررت. وحربها كانت ككارثة طبيعية. آلة حربية فالتة من أي رقابة بشرية. تضرب كيفما اتفق. كائن متفوق من كوكب آخر يصل ويبدأ يسحق كل ما يتنفس.

ما الفرق حقاً بين الموت بإسرائيل أو بزلزال يضرب الآن بأقصى درجاته. أظنه واحداً، الموت.

حين يصل العنف البشري إلى هذا الحد من الهمجية، حين يصير بلا عقل، تماماً كالكوارث الطبيعية، تنقلب معادلة القوي والضعيف. تصير المواجهة أسهل. حين تصير الموجة الآتية بحجم جبل، فأنت الواقف على الشاطئ والعالم بأن الهروب منها مستحيل، لن تعطيها ظهرك، بل ستقف وتنظر إليها. ولنر.

في ليل ذاك اليوم، وأمام بحر صور الذي يضيء ويطفىء أقصى جنوبه، صاروخاً بعد صاروخ، كنت أنظر إلى تلك الموجة. غداً، على ما وعدت إسرائيل، تبدأ هجومها البري وصولا إلى الليطاني. سنُهزم ثانية؟ سنهزم دائماً؟ سبعة وستون جديدة لم أعشها. إثنان وثمانون جديدة عشتها؟ سأظل خائفاً من اسرائيل ومن الحرب؟

لا. هذه الحرب حربي وعليّ أن أخوض في وحلها ودمعها ونارها ودمها. عليّ التوحد مع نفسي في موقفي منها. ولأنها مفروضة عليّ فهي حربي. لا معنى لهواجسي الخاصة الصغيرة الآن. إنها الحرب. إنها الموجة العملاقة التي ستبتلعني وتبتلع ناسي وغدي وحياتي. إنها الموجة المجنونة التي لن تحيد عني. مم أخاف إذاً إلا من هروبي منها. مما أخاف إلا من جبني الصاعد إلى عنقي يخنقني. فلتأت إذاً. إقتربي. ولنر.

أمام بحر صور أضغط على أسناني. للمرة الأولى منذ بداية الحرب، أو ربما مذ عرفت باسرائيل، لا أخاف منها.


جندي
باحثاً عن الحرب، أرى عسكرياً بلحية حمراء طويلة ينحني لينظر إلى المقعد الخلفي في السيارة. يمد صوب الطفل الذي كنته كيس حلوى. أتطلع صوب أبي العابس. آخذ الكيس من الرجل ولا أقول شيئاً. تمشي السيارة بنا ويطلب أبي مني أن أرمي الكيس من النافذة فأرميه. مفتوناً "بالمرة الأولى" التي يحتفل بها الأولاد، سجلت في ذاكرتي أن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها إسرائيلياً. كانت بيروت تستعد لحاصر العام 1982، وكنا هاربين منها إلى الجنوب الذي صار محتلاً.

ظلّ الوجه المبتسم باللحية الحمراء إختزالاً لصورة الإسرائيلي الذي فرض على العائلة الهاربة كيس حلوى لم تكن لتجرؤ على رفضه. هل بدا قوياً وعملاقاً في حينه. لا أظن. الآن أشعر أنني إحتفظت بذكرى واحدة عنه ربما لم أفهمها يومها: كان وقحاً. كانت ابتسامته وقحة. هذا ما ظل يغيظني في وجهه كلما تذكرته.
ليس في داخلي وجه لإسرائيلي آخر، مع أنني رأيت الكثير منهم بعدها في النزوح الجنوبي.

في الخامس عشر من آب رأيت الوجه الثاني وحفظته. وجه ذاك النحيل الذي يضع نظارات طبية. كان جالساً أعلى دبابة تجر دبابة أخرى معطوبة في بيت ياحون. على بعد مترين عنه كنت. لاحقته بعيني. انتظرته كي يرفع رأسه وينظر صوبي. كان وجهاً عاديا يمكن مصادفته في أي مكان من دون الالتفات إليه. قررت أن أختبر الوجه وأن أحفظه.

لم يثر فيّ أية مشاعر. لا الحقد ولا الخوف ولا الدونية ولا التفوق.
لا شيء.
ظللت أنظر بينما الرتل يعبر أمامي بالدبابة المهشمة العاجزة. وظل الجندي ينظر في أي فراغ أمامه. كنت فقط أريد أن تقع العينان على العينين. هذا، ربما، كان كافياً لأن يفهم كل ما أريد قوله.
ان أحرجه بنظرة الاستفسار عما يفعله في بلدي؟
أن أسأله عما إذا كان خجِلا بشعبه دولته؟
أن أسأله عن إحساسه بالهزيمة.
أن أوصل إليه شعوري بالشفقة على قوة شريرة كريهة مثله.
كنت أريد أن أتشفى من كل حكايتي مع اسرائيل بتبادل النظرات معه.
أحسست أنني فعلت حين لم يرفع عينيه لينظر في عينيّ. لم يجرؤ على النظر في عيني، هذا ما أفكر فيه حين أتذكره.


جهاد بزي (http://jihadbazzi.maktoobblog.com/1229218/%D8%A8%D8%AD%D8%AB%D8%A7%D9%8B_%D8%B9%D9%86_%D8%A7 %D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8)

Daniella
01-01-2009, 01:39 AM
إلـى أم جبـر وشـاح التـي فـي غـزّة


جهاد بزي
(javascript://)


السيدة الكريمة أم جبر وشاح، تحية طيبة وبعد،
عسى تصلك رسالتي هذه فتجدك والأهل والأحباب على أتم الصحة والعافية، ولا تكون ثقلاً على ثقل، في أيامكم الصعبة هذه في غزة التي في فلسطين.
سيدتي،
لا أدري لماذا أكتب إليك، أو ما أشاء قوله. غير أنني قلتُ أكتب، علنّي أنا أيضاً أرتاح إذ أعبّر عما يجول في خاطري، وهذا يا سيدتي الكريمة، جلّ ما نفعله جميعاً، كل على طريقته، حين الادّعاء الصادق حيناً والكاذب أحياناً بالوقوف إلى جانبكم ومؤازرتكم. بالشد على أيديكم. بالقلب يا سيدتي، وهذا أضعف الإيمان، على ما قال الرسول العربي، وقد كفى الله المؤمنين القتال.
لن أضيف جديداً ولا قديماً. لن أشتم الحكام العرب، ولن أطلب الموت لأميركا وإسرائيل، ولن أبكي دمنا المراق هنا وهناك ثم هنا ثم هناك. ولن أغضب الآن على الانقسام الفلسطيني إذ خرج منذ زمن عن طوره. واسمحي لي، فلن أردد هتافاً ولا أندب عجزاً ولا أحرق علماً. ليس هذا سبب الرسالة، على ما أظن، ولا غايتها.
الغاية أبسط من ذلك، ربما. أسأل خاطرك وأطمئن إلى صحتك وأيامك في هذا الجنون المستعر.
وللعمر حق يا أم جبر. في زيارتك الأخيرة إلى أولادك اللبنانيين، كانت يدك ترجف. وكنت أرتاح إذ أنظر إلى ابتسامتك تبرق بالفرح، وأتوجس إذ أنظر إلى اليد التي جالت لسنين على السجون، تمسّد على الحديد الذي خلفه وجوه الأولاد المعتقلين من كل بلاد العرب. تجعل الحديد أكثر ليناً على ساعاتهم الطويلة.
يدك في بيروت كانت ترجف. تراها ترجف هناك، والليل والنهار يتناوبان جهنماً؟ تراك تعبت؟ أثقل عليك قلبك يا أمي؟ حقه. رأيتِ كثيراً. رأيت إبراهيم الذي على كتفك يذوي كالورد ويغيب بعدما لم يحتمل تلك الرحلة الأولى. ورأيت الرضيع الذي ولد بعد موت أخيه فيسمى على اسمه يذوي هو الآخر كالورد ويغيب. رأيتِ كثيراً يا أمي. رأيت البلاد تؤخذ ورأيت العيال يسرقون من شبابهم إلى موتهم ومعتقلاتهم. رأيت الآتي من خلف البحار يقلب الأرض والبيت والعمر ويجثو على الصدر ثقيلاً كجبل. رأيت الابن يكبر ويُحكم بالمؤبد ورأيتك تزغردين وتلوحين بالشال الأبيض فوق مطرقة قاضيهم وفوق قوس ظلمه، وتعودين إلى البيت أم العريس. وحين تخلين إلى نفسك تبكين، ويظل الباب موارباً لأربعين ليل وأربعين نهار، علّ جبراً يطل، علّه كابوس ينتهي.
لكن لا. لن يرى واحدهم منك دمعة. ولن يرتقي اليأس إلى أدنى خيط في الثوب الأسود والأحمر. وأمّ الأسير تعلم أن الأم دنيا، وأن قلبها دنيا تتسع لنبيه وأحمد وأنور وسمير وغيرهم عشرات. تتسع لتحدٍ هي فيه أمٌ لأسير، تنظر في عيني أم لجندي مدجج، تقول لها: لنشوف مين فينا رح يصبر أكتر، وآخرة البلاد لأهلها...
تراه العمر يا أم جبر؟ لا.
أعرف أنك لست متعبة. أراك وأعرف أنك أقوى منا جميعاً. أراك تشدين يداً على يد وتفكرين في يوم المذبحة وفي اليوم الذي سيلي المذبحة. تفكرين في التفاصيل الصغيرة، في نفض الغبار عمن صارت أماً لتوها، تحمل رضيعاً تظنه بلا غد. تلفينها بصوتك الهادئ، بلهجتك الجميلة. تخبرينها عن الحكاية البسيطة التي لا تحتاج إلى كل تعقيداتنا. تحيلين الحكاية إلى صفائها الأول والأخير، إلى إنسانيتها وأخلاقيتها، قبل أي شعار كبير فارغ آخر. قبل أي كلام ممجوج.
وأعلم أنك تشدين الهمم، وتشغلين بالك بحاجات المحتاجين، فذاك يريد كوب شاي، وتلك تريد تربيتا على كتف، وهذا يريد دواءً. وأنت، وإن أثقل عليك العمر يا أمي، لن تهدئي، ويكفي أن تشيري لمن حولك، والكلمة لا تصير اثنتين. هو الحب يا أمي، الحب الذي يفيض عن قلبك إلى القلوب.
أعلم أنك الآن تقومين بواجبك، وتعرفينه. أما أنا، نحن، فنجهل ما الذي علينا فعله. نتخبط. لهذا ربما أكتب إليك، لآخذ منك بعضاً من العزيمة وبعضاً من الثقة ومن الوضوح في الرؤية. أذكر تماماً. ساعة واحدة جلست أمامك. ساعة أخذت في ما يشبه السحر. استسلمت لراويةٍ هائلة الوعي والصدق والعفوية. ساعة تعلمت فيها كيف سأحمي نفسي من كل سمّ تسلق هذه الحكاية. سمّ العقلانية المقيتة حين لا تطل إلا في غير محلها. تطل من فوق جثث وأشلاء لتبرر للقاتل. سمّ الانتهازية وسمّ الكذب العربي وسمّ الرجولة المدعية. سمّ الأخطاء المتناسلة بعضها من بعض جميعنا تجرعه. في ساعة فقط حفظت كيف أنتمي بحق إلى الحكاية. وكيف أحميها في داخلي. وكان ذلك كافياً.
يا أمي،
أعلم أنك الآن، وغزة في النار، تجدين وقتاً لتضعي طفلا في حضنك، وتهمسي في أذنه. تغسلين عنه الخوف وتزرعين في قلبه الحكاية. وأعلم أنك ستظلين تنثرين الحكاية بذوراً، ويدك خضراء.
ولأنني أظن إنني أعلم، فلست خائفاً. أعلم كيف تكون الابتسامة سماءً، والعباءة بساتين وهضاباً وأنهاراً وأطفالاً وعصافير وزيتوناً وتيناً وبرتقالاً وقصائد. وأعلم كيف تكون راحة اليد تراباً مباركاً. وأعلم يا أمي كيف تكون الأم بلاداً.
أم جبر، يا أمي،
أكتب إليك لأنني بحاجة إلى القليل من كبر قلبك.
أكتب إليك كي أرتاح إذ أتذكر أن الدم حين يفيض، سيجد يديك تمسدان عليه. تهدهدانه. تحديان له. تقولان له صبراً يا دمنا، صبراً يا دمنا، صبراً يا دمنا.

:(:(

حسام
01-01-2009, 04:23 AM
بتعرفي دانييلا من شو خفت.

خفت ام جبر تقدر تقرأ المقالة قبل انتهاء الحرب. خفت تكون عم تقرأها ويصير قصف وتروح ام جبر بدون ما تكفّي المقالة. خفت انها تقرأ بس البداية حيث يذكّرها جهاد بيدها المرتجفة وبثقل قلبها وبتقدّمها بالسنّ. خفت على مشاعرها وعلى صلابتها وعلى ضرورة وجودها لرفع المعنوايات.

ألهذا القدر بلغ يأسي حتى بتّ أخشى على امرأة معنوياتها أقوى من الجبال. امرأة مسّدت حديد الزنازين فذاب الحديد وبقيت راحة يدها خضراء تحضن فيها ليوثاً وتداوي جراحهم. هذه الراحة التي وصفها جهاد بالتراب المبارك. وهل يتوق الدم الى غير التراب المبارك

ربّما خوفي ليس على ام جبر انّما على حالنا من بعدها.

تحية في هذه الأوقات العصيبة الى ال 11000 أسير، الى شهدائنا الابرار، الى مقاومينا الاشراف، الى امّهاتنا التي أرضعتنا حبّ فلسطين ورواء التراب بدمنا. تحيّة الى امّي ام جبر واخي جهاد واختي كوثر. كلّ امّ جبر امّي وكل من يحبّون فلسطين اخوتي

Mada
01-01-2009, 09:22 AM
أعان الله قلوب كل الأمهات وهن أجمل الأمهات ........أخشى على قلوبهن وأصلي لهن فصبر الجبال قد يصدعه فقد الولد
كيف ننجو من هذا الوجع وقلة الحيلة

Daniella
12-03-2009, 03:11 AM
بي اس : الو شهر عالفايسبوك ما عندو سيرة غير الدجاج:ي:


دجــاج



جهاد بزي
(javascript://)


إلى المنبر يصعد في جو عابق بالتاريخ. يرى بحراً من البياض البرّاق أمامه. يسمع ما يشبه الضجيج ولا يميّز الأصوات. ينظر في رايات تلّوح في الهواء. تسري رعشة العظمة في جسده. من أسفل ساقيه يصعد الارتعاش إلى ريشاته، فتنتفش واحدة بعد أخرى. وينفتح ذيله كمروحة صينية. ينتفخ صدره، ويتضاعف حجم عنقه فيرفعه فخوراً ما استطاع إلى أعلى. تلمع عيناه ويعلو عرفه. ينحني قليلا إلى الأمام، ويملأ رئتيه بالهواء. يرفع جناحه ويصرخ: يااا جماهير الدجاج تحية.
تنفجر الجماهير. يصمت ويتلفّت. هذه لحظة انتظار ضروريّة، فالجماهير سترد التحية، والمناقير المتطلعة إليه ستهتف الآن بجنون: الديك.. الديك.. الديك..
وستهتف: «بالريش بالبيض نفديك يا زعيم».
وسيطول انتظاره دقيقة طويلة، فيرفع جناحه ويلوح به نزولاً بينما ترتسم ابتسامة شكر على منقاره، طالباً من الجماهير البيضاء أن تهدأ، ويفرح لرؤية ريشات كثيرة تسبح في الهواء بعدما أفلتت من أجساد منفعلة لدجاجات وديوك مراهقة، تسري في عروقها حماسة الشباب فتقفز وتقفز.
وكأي ديك عظيم، سيظل صبوراً إلى أن يُخجَل تواضعه، فيضطر إلى بدء الخطاب.
يبدأ بمقدمة هادئة يجول فيها على التاريخ وعلى القيم والمبادئ، ثم، وحين يقترب الكلام من بيت القصيد، ترتفع نبرته، ويتحول خطابه صياحاً: هذا الوطن لكل دجاجه، لا فرق بين دجاجة منا ودجاجة منهم. ولكن يجب على ديكهم وجماهيره الاعتراف بأن هذا الوطن من حقكم كما هو من حقهم، ومن حق الجميع أن يعبر عن رأيه. جميعنا نتفنا الريش في سبيل الوطن. بيضات لا تعد ولا تحصى كسرت وشربت الأرض الطيبة سائلها الغالي، فأزهرت حلوى وحرية وكرامة. جميعنا ضحى من أجل الوطن، فلا تزايد دجاجة منا على دجاجة ولا ديك على ديك. هو وطن الجميع، لكن السؤال: في أي وطن نريد أن نعيش؟ تلك هي المسألة، وهي للأسف مسألة حياة أو موت.
هم يقدمون مصالح البط حتى على مصالح دجاجهم. وما أدراكم ما البط. هم ينقادون إلى تنفيذ غايات البط من دون أن يعيروا أدنى انتباه لوطنهم. هم مرهونون للبط، أما نحن، فمرهونون للأرض التي تطعمنا وتشربنا وتؤوينا. عليها يمشي صيصان اليوم، دجاج الغد. ولصيصاننا، فلذات أكبادنا الشهية، علينا أن نؤمن غداً أفضل لا يشبه ماضينا ولا حاضرنا. من اجل صيصاننا علينا أن نواجههم ونقول لهم: إما ان تعودوا إلى صوابكم فتتخلوا عن مشاريعكم البطيّة، وإما سنواجهكم وبالديموقراطية، ولا شيء غير الديموقراطية، لنقول لكم: الحق معنا، ونحن أكثر منكم. واليوم يا أيها الدجاج، أثبتم أنكم أكثر منهم عدداً. وغداً ستثبت الأيام ذلك.
أيها الدجاج.. يا دجاجي..
علمنا التاريخ أن هذا البلد لم يقم يوماً باستقواء طرف على آخر. علمنا تاريخنا انه كلما استقوت جماعة على جماعة، اشتعلت حروب لا تبقي ولا تذر، راح فيها ديوك ودجاجات وصيصان صغيرة بريئة. وعلمنا التاريخ أن اللجوء إلى الآخرين، كل الآخرين، لا يجدي. لا البط ولا الإوز ولا النعام ولا حتى الحمام والنسور ولا أي طائر آخر في هذا العالم، مهما بلغ جبروته، يمكنه أن يحقق غاياته على هذه الأرض. لا أحد. فقط إرادة الدجاج هي التي تتحقق ولو بعد حين. وأنا من هذا المكان، أقول لِديك المعسكر الثاني: إقرأ التاريخ يا ديك. إقرأ التاريخ.
يا دجاجي،
في هذا اليوم الرائع الذي يقع على بعد رمية الحجر من بداية فصل الربيع، أقف بينكم وأنتم من أنتم لأسألكم: أي غد لصيصانكم تريدون؟ الجواب عندكم. وبأجنحتكم ومناقيركم تقررون غد صيصانكم. اليوم الكبير يقترب. وزحفاً عليكم أن تزحفوا في اليوم الكبير لوضع البيض في الكرتونات. إملأوا الكرتونات بالبيض، واعرفوا أن أي بيضة تُكسر أو تُخرق أو يشطب منها هي بيضة فاسدة. على البيض أن يكون طازجاً وكاملاً وخالياً من أي شوائب. وليكن يوماً لإظهار مدى حضاريتنا ومدى فهمنا للديموقراطية. وليكن يوماً للفوز العظيم.
دجاجي،
لليوم الكبير، أكرر عليكم، كلكم، ديكة ودجاجات، كلمة واحدة: بيضوا. بيضوا. بيضوا. بيضوا.
أما أنتم يا صيصان اليوم يا دجاج الغد، أما أنتم يا صيصاني، فأعدكم بوطن تعددي تبيضون فيه ديموقراطية وحرية وسلاماً.
دجاجي..
في الختام، ينبغي عليّ أن أذكرهم وأذكركم: الدجاجة لا تطير إلا بجناحيها. ولن تطير الدجاجة، صدقوني لن تطير الدجاجة يوماً، إلا إذا رفرف جناحاها معاً في سماء بلاد الدجاج. وصدقوني.. سيطير الدجاج. سيطير الدجاج. سيطيكي.. كي كي كي كي..
أمامه، كانت بعض المناقير تضرب في الأرض بحثاً عن طعام بعدما أنهكها اليوم الاحتفالي الطويل، وبعض المناقير الأخرى حملت صيصانها وغادرت مزهوة.
أما معظم الدجاج المشارك فكان يقف على ساق واحدة، ويهب هبة دجاجة واحدة. يهتف بمنقار واحد: بق بق باقيق. بق بق باقيق.
ملاحظة: أعلاه حدث في مزرعة للدجاج لا مكان لها ولا زمان، لأنها مزرعة من صنع خيال مجرد عن أي قصد، وهو ليس خيالاً جديداً (انظر كليلة ودمنة لابن المقفع ومزرعة الحيوان لجورج أورويل) ومن المحال ان يتحقق في الواقع. أما من يظن أن أعلاه يرمز إلى واقع آخر معاش، فلا يُؤخذ بظنه وإن كان لا يُؤاخذ على ظنه.