المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة في الموقع الأساسي مع الصور : مقاهي النبطية.. حالها من حال مدينتها


Sawtak Archive
19-08-2006, 03:24 AM
بواسطة :Abouhmied
تاريخ : 2005-08-25



مقاهي النبطية.. حالها من حال مدينتها



رامي الأمين



احد مقاهي النبطية (تصوير كامل جابر
تحبو النبطية ببطء نحو المدنية. فهي ليست مدينة، كما أنها ليست قرية. هي مزيج من الإثنين. قرية كبيرة. وهي، كما يعلم جميع من مروا على كتاب الجغرافيا في السنوات المتوسطة ودرسوا تاريخ لبنان الممل، احدى المحافظات الست التي تشكل <<مجتمعة>> مع التحفظ على هذه العبارة صخرة سعيد عقل المعلّقة بالنجم.

في وسع المرء ان يلحظ انعكاس مظاهر التجمعات الشبابية التي تعج بها مقاهي النبطية على طبيعة الحياة اليومية في المدينة، لا سيما في الطرقات العامة ومقاهي الانترنت. فالحياة في النبطية، تأثرت تأثراً واضحاً بانتقال وسائل التطور ومستحدثاتها الى احيائها <<الريفية>> المحافظة بعض الشيء. ولكن ما لبثت هذه التطورات، وخصوصاً الإنترنت، ان تحولت الى مصدر للملل والبطالة بسبب سوء توجيهها واستعمالها.
فيشاوي وغيرها...
هذا الواقع، انعكس بمدلولاته الثقافية على شريحة واسعة من شباب النبطية، فبعدما استنفدوا جميع وسائل الترفيه المتطورة، وبعدما تعبت جيوبهم من دفع فواتير <<الكزدرة>> الباهظة بسبب غلاء البنزين. وجد بعض الشباب ضالتهم في المقاهي العديدة المنتشرة في احياء المدينة، الرئيسية منها والفرعية، وباتت هذه الأمكنة بيوتهم الثانية التي يقضون فيها معظم اوقاتهم، حتى ان بعضهم يكاد ينام داخلها. هذه الظاهرة، إرتياد المقاهي، تبدو مستجدة على المجتمع النبطاني، إذ ان الشباب لطالما وجدوا متنفساً للخروج والسهر والكيف، خارج الأمكنة الضيقة التي تنتشر فيها الطاولات والكراسي.
من <<الكافي دور>> عند مدخل المدينة الشمالي، الى <<التو تانغو>> عند مدخلها الجنوبي، سلسلة لا بأس بها من المقاهي، التي تؤمن تصريف الوقت لشباب، لا يجد لنفسه مكاناً في عجقة المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والأمنية المسيطرة على البلد. يتميز بعض هذه المقاهي بالحداثة من حيث الخدمة والديكور، والمأكولات والمشروبات المقدمة على الطاولات، ووسائل الترفيه والتسلية التي باتت ضرورية أكثر من الأكل والشرب. <<دجاج وتوم>> على سبيل المثال، يبدو كأنه تجربة مستحدثة في الوسط النبطاني، إذ إن عددا لا بأس به من شباب المدينة يقصدون هذا المكان ليأكلوا ويشربوا، ويستمعوا الى الموسيقى والأغاني التي تبث على مدار الساعة عبر قنوات الفيديو كليب العربية، ويلعبون <<البينغ بونغ>>، والورق.
نمط آخر من الشباب يفضّل المقاهي التقليدية، وإن بقيت الأهداف واحدة: تمرير الوقت. فبعض هؤلاء يرتاد مقهى الفيشاوي على طريق مرجعيون، ولصاحبه <<الضبع>> كما يدعوه الناس هناك، الأمر الذي يزعجه ويغضبه في بعض الأحيان.
المقهى يغلب عليه الطابع التراثي وتسمع فيه اصوات الأغنيات الخالدة لأم كلثوم والشيخ امام، كما ان للخالدين من الأحياء نصيبهم من مسرحيات زياد الرحباني وفيروز وغيرهما.
و<<الضبع>> رجل خمسيني باتت حياته مختصرة بذلك المقهى، يفتح ابوابه مع انتصاف النهار ويغلقها مع اسدال الليل ستار الظلام. ينسج صداقاته في شرنقتها. صداقات متنوعة مع الأعمار والأجناس كافة. يعطي دروساً في الحياة وسبل عيشها للجميع من دون مقابل. نصائح مما هبّ و دب.
هذا المشهد العام لمقهى الفيشاوي تبدده على الجدران صور عارضات الأزياء والنسوة العاريات. هيفاء وهبي تتواجد هناك ايضاً. صورها في كل مكان. كما ان كثيرين يطلبون اغنياتها المشهورة. وتشوّه بعض الفاظ الشباب البذيئة جمالية الموسيقى في المكان، اذ انهم يقومون بذلك لمجرد <<فش الخلق و التجغيل>> لأنه غالباً ما تمر حفنة من الصبايا <<الشلخات>> من امام المقهى، بحسب تعبير احد الشبان. يشربون الشاي، ينفثون همومهم مع سموم النراجيل، ويترنحون كالأشجار في مهب الريح على وقع انغام <<الحالة تعبانة يا ليلى>> لجوزف صقر، منتظرين الفرج، الذي لا يعرف أحد إن كان سيأتي، ام لا. فعلى الرغم من وجود جمعيات تعنى بالثقافة في المدينة، وعلى الرغم من <<لقاء الخميس>> الذي تنظمه <<جمعية البيئة>>، والذي يبدو أنه لا يلقى استحساناً من مثقفي المدينة، إذ إن عدد الحضور يبدو ضئيلاً مقارنة مع أعداد المثقفين الحقيقية، وعلى الرغم من محاولات بعض الشباب القيام بشيء ما، ينتشل النبطية من تقوقعها الإجتماعي والثقافي تحت حجة <<الطابع الديني للمدينة>>، الا أن الأمل في التغيير يبقى بعيد المنال، حتى أجل غير مسمى.
رواد المقاهي في النبطية ينتمون بمعظمهم الى فئة طلاب ومتخرجي الجامعات، التي تفرض عليهم قلة فرص العمل، تمرير وقتهم على مقاعد المقاهي بعد مقاعد الدراسة، حيث تقتصر الأحاديث على الكلام فقط. مجرد كلام لا قيمة له سوى المواساة والهرب من الواقع الصلد. كلام يحمل غالباً في طياته مواضيع الجنس والنساء و<<الموبايلز>> والسيارات، وغيرها من الأمور الشبابية التي يعتبرها كثيرون <<تافهة وبلا معنى>>.
التخشيبة
في المقلب الآخر من المدينة، المشهد مختلف: مجموعة من المثقفين لم تتسع لهم المقاهي، وضاقت بهم الاندية الاجتماعية في المدينة، اتخذوا من ناصية الطريق مكاناً للقاءاتهم. قد يكون لاختيارهم هذا علاقة بطبيعة النبطية القروية، فالجلوس على الناصية، طقس قروي قديم. او ربما تكون اسبابهم ثقافية، ترتبط اصلاً بالوضع الثقافي العام في البلد، فهم لن يتفقوا مع هيفاء وهبي، ولن يلائمهم ضجيج المقاهي التي يسيطر عليها الشباب.
هم مجموعة كبيرة من مثقفي وأدباء وشعراء النبطية والجوار. كانوا يجتمعون على ناصية محل تجاري كان يمتلكه احد اساتذة المنطقة، الذي عرف عنه كثافة اهتماماته الإجتماعية والثقافية، الذي، وبعدما غدرت به رياح التجارة، وجرت بعكس ما تتمنى سفنه، فتح ابواب محله <<الفارغ>> امام كراسي وطاولات اصدقائه المثقفين، وتحول المكان في وقت قصير الى ملتقى ثقافي اجتماعي يجمع ألمع وأبرز الوجوه في المنطقة فيدور الحديث عن احدث الإصدارات الشعرية والأدبية.
كانت تناقش في الجلسات مقالات الصحف وابرز المستجدات الإقتصادية والسياسية في المنطقة.
كانوا يطلقون على المكان اسم <<التخشيبة>>. صاحبها كان يريدها كذلك. مكان للقاء بعيداً عن ضجيج هذا الجيل المهووس بالفيديو كليب. كان يريدها ان تجمع ما تبقى من المثقفين الذاهبين لملاقاة مصير اجدادهم الديناصورات. لم يكن يطلب شيئاً سوى مواضيع اكثر للنقاش والتواصل مع الغير، ومساحة اوسع من الحوار والمعرفة.
...لكن الأمر انتهى فجأة. فالتخشيبة خالية الآن الا من بعض الكراسي التي يتآكلها غبار الأيام، والكثير من الذكريات المعرّشة في السقف مع العناكب. تسأل اين ذهب الجميع، وأين اختفت اصواتهم ونقاشاتهم المشوقة؟
تعلم من اصحاب المحال هناك ان صاحب <<التخشيبة>> اصيب بعارض صحي خطير قبل اشهر قليلة، ادخل على اثره الى المستشفى، وتوفي بعد صراع قاس مع المرض، وماتت معه التخشيبة وأيامها الحلوة.