Adham Khangar
14-09-2006, 11:09 PM
التبادل اللغوي بين الفارسية والعربية
مهران كردمير
الواسطي ( ولد في واسط بين عامي 1242 و 1258): من مقامات الحريري
كثيرا ما اسمع في لبنان كلمات ومفردات فارسية من امثال برادي، لة، جلاب، بوز، دردشة، جردوني، كنار، كزدورة، خش بش، تخت، سادة وما شاكلها، يداولها الناس في محاوراتهم اليومية، إذ دفعني ذلك إلى إعداد بحث متواضع في هذا الصدد أستهلّه بتذكير يسير عن العلاقات الايرانية العربية، فهناك صلات بين العرب والايرانيين تمتد جذورها الى اعماق التاريخ اوجدتها عوامل عديدة كالحدود الجغرافية المشتركة والمبادلات التجارية وامتداد الحكم الساساني على الحيرة واليمن ومناطق اخرى من جزيرة العرب، والدين؛ فهذه الصلات لا بد انها مهدت لظاهرة الا وهي التبادل اللغوي بين اللغتين الفارسية والعربية ليضمن لهما الاستمرارية والازدهار بحيث لا توجد لغة حية وواسعة النطاق الا انها تفاعلت مع غيرها من اللغات عبر عملية التبادل.
على هذا لا يتاح لأحد أن يدعي أن هناك لغة شاغرة من المفردات الأجنبية وهكذا الأمر بالنسبة للغتين العربية والفارسية فلا شك أنهما بما تحملان في طياتهما من تاريخ وأدب وحضارة تفاعلتا مع مختلف الظروف وتأثرت كل منهما بالاخرى وأثرت فيها بدورها.
واذا تصفحنا معاجم وقواميس الفارسية لنجد أن اللغة هذه لم تبادل التأثير والتأثر مع لغة كما اثرت في العربية وتأثرت بها وكيف لا، اذ كان الشعب الايراني والشعب العربي جارين منذ الازمنة الغابرة تصل بينهما أواصر كالتجارة والدين والسياسة والحضارة وعلائق تاريخية مشتركة عميقة الجذور فتبادل الطرفان التأثير والتأثر في كثير من العادات والآداب والعقائد والتقاليد حتى في مجال اللغة.
هنا تجدر الاشارة الى ملاحظة هامة هي أن تأثير الفارسية في اللغة العربية كان أوسع نطاقا وشمولية في الفترة التي سبقت الدعوة الاسلامية وخير دليل على هذا المدعى أن عددا منها شق طريقه الى القرآن الكريم وذلك مما دفع عدداً من علماء اللغة الى العمل والبحث في هذا المجال كالجواليقي الذي وضع كتابه الموسوم بالمعرّب لهذا الغرض وكذلك السيوطي الذي اشار في كتابه الاتقان الى هذا الشأن.
فمن المفردات التي يمكن ذكرها في باب الكلمات الفارسية المعربة في القرآن الكريم نجد على سبيل المثال كلمة فردوس وهي معروفة لدى الجميع، فالفردوس اسم لأعلى الجنات لدى الايرانيين وهي لفظة فارسية مأخوذة من ?ايرى دئزه التي وردت في افستا مرتين وتعني الروضة المقدسة والمنشودة التي يسكنها الاخيار والابرار وهي في اصل معناها تعني الروضة المسورة ذات الاشجار العالية التي تجري بينها الانهار فهذه المفردة تمّت عليها عملية التعريب وصارت فردوساً ولا تزال اشكال منها تستخدم في الفارسية منها ?رديس ?اليز وفاليز وما شاكل ذلك.
هناك ملاحظة قد لا يخلو ذكرها من الفائدة وهي اننا نجد اشكالا اخرى من هذه المفردة الفارسية الاصل في اللغات الأخرى، ففي اليونان القديم ?راديزس اما الاكادية المتأخرة ?رديسو وفي العبرية ?ردس وفي الآرامية والسريانية استخدمت المفردة نفسها بهذا الشاكلة مع تغيير طفيف كما في الارمنية ?اردس وكذلك تستخدم هذه اللفظة في مختلف اللغات الأوروبية الحديثة ففي الانجليزية يعادل المفردة هذه، aradise كما في الفرنسية paradi وفي الالمانية paradies وفي الإيطالية paradiso، وفي الإسبانية parad اما في العربية فكما ذكرنا آنفا فانها تعربت فصارت فردوساً وجمعها فراديس. اما اللافت ان هذه المفردة الفارسية استعملت في الفارسية بعدما تمت عملية تعريبها، فالفردوس اكثر شيوعا واستعمالا في الفارسية المتداولة ذلك بفعل استخدامها في أول الكتب قدسية لدى الإيرانيين ألا وهو القرآن الكريم.
وايضا من المفردات الفارسية المستخدمة في القرآن الكريم لفظة سجّيل وهي قطعات من الحجر القتها طيور ابابيل على رؤوس جيش ابرهة فقد قيل ان سجيل لفظة معربة، اصلها من سنك الفارسية.
كما نجد في القرآن الكريم في سورة الكوثر كلمة أبتر وهي مأخوذة من لفظة أبوسرا البهلوية التي هي مكونة من جزأين الاول (أ) وهو بادئة للنفي واما الثاني أي بتر فمأخوذ من مفردة أ?وسرا الفارسية ومن جذورها كلمة ?سر او ?ور بمعنى الابن وعلى هذا تعني كلمة أ?وسرا، الذي يقطع رحمه او كما دخلت في العربية تعني الأبتر.
ألفاظ فارسية
فضلا عن تلك المفردات التي شقت طريقها الى القرآن الكريم؛ فهناك مفردات فارسية دخلت العربية وهي تنقسم الي قسمين رئسييين، الأول ما استعمل في العربية بنفسه وأبقي على صورته الاصلية في الإملاء دون اي تغيير يذكر إذ لم يجد العرب سببا لتعريبه. من أمثال ذلك أذكر بازار اي السوق وبادام اي اللوز وبريد ودستور وببربمعنى الاسد الهندي ودفتر وشمعدان وهو من الادوات المنزلية وايضا باز وهو ضرب من الطيور الجارحة يستخدم للصيد وقال ابو نواس في بيت له
<بلا بازٍ نصيدُ إذا خرجنا
ولا صقرٍ ولا طلبِ الكلابِ>.
ونحو باغ اي الحديقة المسورة يقول الصنوبري مستعملا هذه المفردة الفارسية
باغ من النور كل واحدة فيه من النور وحدها باغ
وايضا خشكنانة وتعني في الفارسية نوعا من الحلويات وهي ايضا بمعنى الخبز اليابس
يقول فتيان الشاغوري
كأنما الهلال خشكنانة وكفه في افقه تحوشها
كذلك كلمتا همايوني بمعنى رفيع المستوى وملكي وايضا فرمان بمعني الامر والايعاز
يقول الشاعر الوليد بن يزيد
<ولما بدا لي انما هو فارس
وقفت له حتى اتى فرمانيا>.
فهذه الكلمات التي ذكرنا نماذج منها تسمى الكلمات الدخيلة لان الصبغة الفارسية بادية عليها حتى بعد استخدامها في العربية.
اما القسم الثاني من المفردات الفارسية والتي تداول استعمالها بين العرب فإنها تسمى الكلمات المعرّبة وهي التي غيّروها بالابدال والتصحيف وما شاكلها وقد ادى ذلك الى ايجاد باب مهم في اللغة العربية وهو باب التعريب والمعربات، فكثيرا ما يتغيّر اصل المفردة الفارسية ويتمّ التصرف معها بحسب الاعتبارات التالية:
اولا قد يحذف العرب من الاصل الفارسي حرفا أو أكثر في اول المفردة او وسطها او آخرها مثل مارستان وهي معربة بيمارستان بمعنى مستشفى.
يقول البوصيري مستعملا هذه اللفظة:
<وقبة مارستان ليس لعلة عليه وان طال الزمان مرور>
وفي مكان آخر ينشد قائلا:
<انشات مدرسة ومارستانا لتصحح الاجسام والابدانا>.
أيضا نشوار، قال الجوهري: النشوار؛ ما تبقيه الدابة من العلف فارسي معرب.
وفي نفس المعنى، قول الصنوبري:
<تركنا منك نشوارا
وما يرجى بنشوار>.
ثانيا قد يبدل العرب حروف اللفظة الفارسية ويجرونها مجرى ما هو اصل بنائه لهم وذلك من مثل برند او فرند هي معربة. ?رند اي الحرير او ثوب من حرير وايضا مفردة بابوج المستعملة في لبنان والتي هي باصل معناها الفارسي ?ا?وش وهي ضرب من الشحاط.
وايضا مفردة فرسخ وأصلها فرسن؛ لقد جاء في لسان العرب والفرسخ: ثلاثة اميال او ستة سمي بذلك لان صاحبه اذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن وهو واحد الفراسخ فارسي معرب.
وكذلك كلمة الجاموس وهو نوع من البقر دخيل وجمعه جواميس فارسي معرب وهو بالعجمية.
واميش كما ذكره ابن المنظور في لسان العرب.
ايضا الجوهر وهي معربة من وهر او جلّنار من النار بمعنى زهر الرمان وجمانة وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة واصلها مانه وكذلك جوهر من وهر؛ وفنجان من فنان وفلفل من ?ل?ل والفيل من ?يل وجناح من ناه وقد وردت هاتان الأخيرتان في القرآن الكريم ايضا. وايضا نحو الهندسة واصلها الفارسي اندازه وايضا مهرجان وهي معربة من مهران وتعني في اصل معناها العيد الذي كان الايرانيون يحتفلون به في اليوم السادس عشر من شهر مهر الايراني اي تشرين الاول. يقول حافظ ابراهيم منشدا:
<كأنما آخر عهد الهنا
قد كان منا ليلة المهرجان>.
ثالثا قد يزيد العرب على اصل الكلمة الفارسية حروفا فيضيفون جيما او قافا في آخر الكلمة وذلك عادة في الكلمات المنتهية بالهاء غير الملفوظة نحو برنامج واصلها برنامه ونموذج وهي معربة نمونه وفالوذج واصلها فالوده ومثل باشق واصلها باشه وايضا ساذج وهي من ساده بمعنى البسيط.
رابعا يتمّ أحيانا في عملية التعريب اشتقاق الأفعال من الألفاظ والمصادر الفارسية نحو كاش يكوش بمعنى سعى يسعى من مصدر كوشيدن الفارسية بمعنى السعي كما في دون من ديوان وألجم من لجام او بالاحرى لام ومثل برمج من برنامج وباس يبوس بمعنى قبّل يقبّل، وهو في اصله الفارسي من مصدر بوسيدن. يقول الشاعر في هذا المعنى:
<وقال لما بست راحاته
من ذا فقلت المعدم البائس>.
وكذلك من مثل كلمة خندق والخندق حفيرة حول اسوار المدن قال ابن دريد انها فارسية معربة من كنده واصلها من مصدر كندن الفارسية بمعنى الحفر وقد تكلمت به العرب قال الراجز:
<لا تحسبن الخندق المحفورا يدفع عنك القدر المقدورا>.
وقد تستغرب اخي القارئ اذا سمعت ان مفردة المجازفة وهي الحدس والتخمين والاخذ بالحدس في البيع والشراء بأنها فارسية معربة فقد قال عنها الجوهري اصلها زاف بالفتح يقولون: لاف وزاف يريدون به التزيد في الكلام.
تفاعل
أمّا السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو كيف تم دخول المفردات الفارسية الى العربية وما هي عوامل ذلك في الرد يمكننا القول ان العامل الرئيسي هو العلاقات الثقافية والعلمية التي تربط بين الشعب الإيراني والشعوب العربية؛ على سبيل المثال هناك مستشفى اثري بدمشق يسمى بيمارستان نور الدين اسسه وليد بن عبد الملك الخليفة الاموي سنة 86 للهجرة.
فاستخدام لفظة بيمارستان الفارسية رغم وجود كلمة مستشفى انما هو دليل بارز على ان علم الطب ومصطلحاته دخلت البلدان العربية من ايران مباشرة أو غير مباشرة كما دخلتها من اليونان ايضا.
اجل فقد تسربت العديد من المفردات الفارسية في صلب اللغة العربية وشاع استعمالها فيها بحيث يشعر كل عربي مثقف بضرورة الالمام باللغة الفارسية وآدابها ليدرك لغته الام وليتعرف الى التراث الاسلامي العالمي اكثر فأكثر.
وفي المقابل لا بد من الاشارة ولو موجزة الى ان هناك كما هائلا من المفردات العربية دخلت الفارسية خاصة بعد الإسلام يزيد على اكثر من خمسين بالمئة ولا يستغني كل ايراني عن استخدامها في محاوراته اليومية وكتاباته بين كلمات احتفظت بطابعها العربي وشاكلتها الاصلية وبين مفردات ومصطلحات شملتها تعديلات او تغييرات حولتها الى مفردات نصفها عربي وآخر فارسي مما يشجع كل عربي يشغف لتعلم اللغة الفارسية الى تعلمها نظرا لهذا التبادل اللغوي الذي حصل بين العربية والفارسية وذلك فضلا عن وجود خط مشترك بين اللغتين وهو الخط الذي اقتبسه الايرانيون من العرب بعد الإسلام مما يسهل عملية التعلم اكثر من ان يتصور.
لا انسى ان اذكر تسرب القواعد العربية بما فيها الصرف او النحو في الفارسية بحيث يمكنني القول بانه يصعب تعلم علم القواعد في اللغة الفارسية بدون الالمام بأصول قواعد اللغة العربية. هنا أودّ الإشارة إلى ان استعمال المفردات والالفاظ العربية في الفارسية يتمثل في احد الشكلين التاليين:
اولا عندما لا يوجد للمفردة العربية ما يرادفها في الفارسية كالزكاة والرحمن والصدقة والخمس وما شاكل ذلك.
ثانيا عندما تكون المفردة العربية ايسر نطقا واوسع معنى واكثر استعمالا وتداولا من المفردة الفارسية ذاتها كالامداد القاضي، الحاكم، احياء، استقرار، التصوير وما شاكها مما لا يعد ولا يحصى. وقد يتغير معنى المفردة العربية عندما تدخل الفارسية نحو لفظة كثيف التي تعني المملوء والمكثف الا انها في الفارسية لها معنى سلبي هو الملطّخ او كلمة ملة التي تعني في العربية الدين الا انها في الفارسية تعني الامة. ومن مثل هذه التغييرات في الشكل والمعنى لكثير لا تسعها دراستنا هذه. وختاما على دراستنا هذه أعود لأذكرك أيها القارئ الكريم بحتمية العلاقات والاشتراكات بين الإيرانيين والعرب وذلك بإيراد نماذج على سبيل المثال لا الحصر من المفردات الفارسية. وكمسك ختام لموضوعنا هذا أورد كلمات فارسية يداولها اللبنانيون في محاوراتهم اليومية وتقابلها ألفاظ عربية لا يتواني الإيرانيون عن استعمالها. فكلمات من مثل: كنار بخشيش روزنامه والتي يستعملها اللبنانيون بكثرة، ترادفها في ايران كلمات عربية بنفس المعنى وهي: جنب؛ تقويم؛ انعام.
وأخيرا لا يسعني إلا القول بأن العلاقات الإيرانية العربية وخاصة اللبنانية منها لا تنحصر على مواضيع لغوية فحسب وانما هناك الكثير الكثير من الاشتراكات تربط الطرفين منذ الأزمنة الغابرة إلى يومنا الحاضر مما يدعو كلا الجانبين إلى التعرّف الى الجانب الآخر أكثر فأكثر لا محالة.
(طهران)
http://www.assafir.com/iso/today/weekly_culture/8552.html
مهران كردمير
الواسطي ( ولد في واسط بين عامي 1242 و 1258): من مقامات الحريري
كثيرا ما اسمع في لبنان كلمات ومفردات فارسية من امثال برادي، لة، جلاب، بوز، دردشة، جردوني، كنار، كزدورة، خش بش، تخت، سادة وما شاكلها، يداولها الناس في محاوراتهم اليومية، إذ دفعني ذلك إلى إعداد بحث متواضع في هذا الصدد أستهلّه بتذكير يسير عن العلاقات الايرانية العربية، فهناك صلات بين العرب والايرانيين تمتد جذورها الى اعماق التاريخ اوجدتها عوامل عديدة كالحدود الجغرافية المشتركة والمبادلات التجارية وامتداد الحكم الساساني على الحيرة واليمن ومناطق اخرى من جزيرة العرب، والدين؛ فهذه الصلات لا بد انها مهدت لظاهرة الا وهي التبادل اللغوي بين اللغتين الفارسية والعربية ليضمن لهما الاستمرارية والازدهار بحيث لا توجد لغة حية وواسعة النطاق الا انها تفاعلت مع غيرها من اللغات عبر عملية التبادل.
على هذا لا يتاح لأحد أن يدعي أن هناك لغة شاغرة من المفردات الأجنبية وهكذا الأمر بالنسبة للغتين العربية والفارسية فلا شك أنهما بما تحملان في طياتهما من تاريخ وأدب وحضارة تفاعلتا مع مختلف الظروف وتأثرت كل منهما بالاخرى وأثرت فيها بدورها.
واذا تصفحنا معاجم وقواميس الفارسية لنجد أن اللغة هذه لم تبادل التأثير والتأثر مع لغة كما اثرت في العربية وتأثرت بها وكيف لا، اذ كان الشعب الايراني والشعب العربي جارين منذ الازمنة الغابرة تصل بينهما أواصر كالتجارة والدين والسياسة والحضارة وعلائق تاريخية مشتركة عميقة الجذور فتبادل الطرفان التأثير والتأثر في كثير من العادات والآداب والعقائد والتقاليد حتى في مجال اللغة.
هنا تجدر الاشارة الى ملاحظة هامة هي أن تأثير الفارسية في اللغة العربية كان أوسع نطاقا وشمولية في الفترة التي سبقت الدعوة الاسلامية وخير دليل على هذا المدعى أن عددا منها شق طريقه الى القرآن الكريم وذلك مما دفع عدداً من علماء اللغة الى العمل والبحث في هذا المجال كالجواليقي الذي وضع كتابه الموسوم بالمعرّب لهذا الغرض وكذلك السيوطي الذي اشار في كتابه الاتقان الى هذا الشأن.
فمن المفردات التي يمكن ذكرها في باب الكلمات الفارسية المعربة في القرآن الكريم نجد على سبيل المثال كلمة فردوس وهي معروفة لدى الجميع، فالفردوس اسم لأعلى الجنات لدى الايرانيين وهي لفظة فارسية مأخوذة من ?ايرى دئزه التي وردت في افستا مرتين وتعني الروضة المقدسة والمنشودة التي يسكنها الاخيار والابرار وهي في اصل معناها تعني الروضة المسورة ذات الاشجار العالية التي تجري بينها الانهار فهذه المفردة تمّت عليها عملية التعريب وصارت فردوساً ولا تزال اشكال منها تستخدم في الفارسية منها ?رديس ?اليز وفاليز وما شاكل ذلك.
هناك ملاحظة قد لا يخلو ذكرها من الفائدة وهي اننا نجد اشكالا اخرى من هذه المفردة الفارسية الاصل في اللغات الأخرى، ففي اليونان القديم ?راديزس اما الاكادية المتأخرة ?رديسو وفي العبرية ?ردس وفي الآرامية والسريانية استخدمت المفردة نفسها بهذا الشاكلة مع تغيير طفيف كما في الارمنية ?اردس وكذلك تستخدم هذه اللفظة في مختلف اللغات الأوروبية الحديثة ففي الانجليزية يعادل المفردة هذه، aradise كما في الفرنسية paradi وفي الالمانية paradies وفي الإيطالية paradiso، وفي الإسبانية parad اما في العربية فكما ذكرنا آنفا فانها تعربت فصارت فردوساً وجمعها فراديس. اما اللافت ان هذه المفردة الفارسية استعملت في الفارسية بعدما تمت عملية تعريبها، فالفردوس اكثر شيوعا واستعمالا في الفارسية المتداولة ذلك بفعل استخدامها في أول الكتب قدسية لدى الإيرانيين ألا وهو القرآن الكريم.
وايضا من المفردات الفارسية المستخدمة في القرآن الكريم لفظة سجّيل وهي قطعات من الحجر القتها طيور ابابيل على رؤوس جيش ابرهة فقد قيل ان سجيل لفظة معربة، اصلها من سنك الفارسية.
كما نجد في القرآن الكريم في سورة الكوثر كلمة أبتر وهي مأخوذة من لفظة أبوسرا البهلوية التي هي مكونة من جزأين الاول (أ) وهو بادئة للنفي واما الثاني أي بتر فمأخوذ من مفردة أ?وسرا الفارسية ومن جذورها كلمة ?سر او ?ور بمعنى الابن وعلى هذا تعني كلمة أ?وسرا، الذي يقطع رحمه او كما دخلت في العربية تعني الأبتر.
ألفاظ فارسية
فضلا عن تلك المفردات التي شقت طريقها الى القرآن الكريم؛ فهناك مفردات فارسية دخلت العربية وهي تنقسم الي قسمين رئسييين، الأول ما استعمل في العربية بنفسه وأبقي على صورته الاصلية في الإملاء دون اي تغيير يذكر إذ لم يجد العرب سببا لتعريبه. من أمثال ذلك أذكر بازار اي السوق وبادام اي اللوز وبريد ودستور وببربمعنى الاسد الهندي ودفتر وشمعدان وهو من الادوات المنزلية وايضا باز وهو ضرب من الطيور الجارحة يستخدم للصيد وقال ابو نواس في بيت له
<بلا بازٍ نصيدُ إذا خرجنا
ولا صقرٍ ولا طلبِ الكلابِ>.
ونحو باغ اي الحديقة المسورة يقول الصنوبري مستعملا هذه المفردة الفارسية
باغ من النور كل واحدة فيه من النور وحدها باغ
وايضا خشكنانة وتعني في الفارسية نوعا من الحلويات وهي ايضا بمعنى الخبز اليابس
يقول فتيان الشاغوري
كأنما الهلال خشكنانة وكفه في افقه تحوشها
كذلك كلمتا همايوني بمعنى رفيع المستوى وملكي وايضا فرمان بمعني الامر والايعاز
يقول الشاعر الوليد بن يزيد
<ولما بدا لي انما هو فارس
وقفت له حتى اتى فرمانيا>.
فهذه الكلمات التي ذكرنا نماذج منها تسمى الكلمات الدخيلة لان الصبغة الفارسية بادية عليها حتى بعد استخدامها في العربية.
اما القسم الثاني من المفردات الفارسية والتي تداول استعمالها بين العرب فإنها تسمى الكلمات المعرّبة وهي التي غيّروها بالابدال والتصحيف وما شاكلها وقد ادى ذلك الى ايجاد باب مهم في اللغة العربية وهو باب التعريب والمعربات، فكثيرا ما يتغيّر اصل المفردة الفارسية ويتمّ التصرف معها بحسب الاعتبارات التالية:
اولا قد يحذف العرب من الاصل الفارسي حرفا أو أكثر في اول المفردة او وسطها او آخرها مثل مارستان وهي معربة بيمارستان بمعنى مستشفى.
يقول البوصيري مستعملا هذه اللفظة:
<وقبة مارستان ليس لعلة عليه وان طال الزمان مرور>
وفي مكان آخر ينشد قائلا:
<انشات مدرسة ومارستانا لتصحح الاجسام والابدانا>.
أيضا نشوار، قال الجوهري: النشوار؛ ما تبقيه الدابة من العلف فارسي معرب.
وفي نفس المعنى، قول الصنوبري:
<تركنا منك نشوارا
وما يرجى بنشوار>.
ثانيا قد يبدل العرب حروف اللفظة الفارسية ويجرونها مجرى ما هو اصل بنائه لهم وذلك من مثل برند او فرند هي معربة. ?رند اي الحرير او ثوب من حرير وايضا مفردة بابوج المستعملة في لبنان والتي هي باصل معناها الفارسي ?ا?وش وهي ضرب من الشحاط.
وايضا مفردة فرسخ وأصلها فرسن؛ لقد جاء في لسان العرب والفرسخ: ثلاثة اميال او ستة سمي بذلك لان صاحبه اذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن وهو واحد الفراسخ فارسي معرب.
وكذلك كلمة الجاموس وهو نوع من البقر دخيل وجمعه جواميس فارسي معرب وهو بالعجمية.
واميش كما ذكره ابن المنظور في لسان العرب.
ايضا الجوهر وهي معربة من وهر او جلّنار من النار بمعنى زهر الرمان وجمانة وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة واصلها مانه وكذلك جوهر من وهر؛ وفنجان من فنان وفلفل من ?ل?ل والفيل من ?يل وجناح من ناه وقد وردت هاتان الأخيرتان في القرآن الكريم ايضا. وايضا نحو الهندسة واصلها الفارسي اندازه وايضا مهرجان وهي معربة من مهران وتعني في اصل معناها العيد الذي كان الايرانيون يحتفلون به في اليوم السادس عشر من شهر مهر الايراني اي تشرين الاول. يقول حافظ ابراهيم منشدا:
<كأنما آخر عهد الهنا
قد كان منا ليلة المهرجان>.
ثالثا قد يزيد العرب على اصل الكلمة الفارسية حروفا فيضيفون جيما او قافا في آخر الكلمة وذلك عادة في الكلمات المنتهية بالهاء غير الملفوظة نحو برنامج واصلها برنامه ونموذج وهي معربة نمونه وفالوذج واصلها فالوده ومثل باشق واصلها باشه وايضا ساذج وهي من ساده بمعنى البسيط.
رابعا يتمّ أحيانا في عملية التعريب اشتقاق الأفعال من الألفاظ والمصادر الفارسية نحو كاش يكوش بمعنى سعى يسعى من مصدر كوشيدن الفارسية بمعنى السعي كما في دون من ديوان وألجم من لجام او بالاحرى لام ومثل برمج من برنامج وباس يبوس بمعنى قبّل يقبّل، وهو في اصله الفارسي من مصدر بوسيدن. يقول الشاعر في هذا المعنى:
<وقال لما بست راحاته
من ذا فقلت المعدم البائس>.
وكذلك من مثل كلمة خندق والخندق حفيرة حول اسوار المدن قال ابن دريد انها فارسية معربة من كنده واصلها من مصدر كندن الفارسية بمعنى الحفر وقد تكلمت به العرب قال الراجز:
<لا تحسبن الخندق المحفورا يدفع عنك القدر المقدورا>.
وقد تستغرب اخي القارئ اذا سمعت ان مفردة المجازفة وهي الحدس والتخمين والاخذ بالحدس في البيع والشراء بأنها فارسية معربة فقد قال عنها الجوهري اصلها زاف بالفتح يقولون: لاف وزاف يريدون به التزيد في الكلام.
تفاعل
أمّا السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو كيف تم دخول المفردات الفارسية الى العربية وما هي عوامل ذلك في الرد يمكننا القول ان العامل الرئيسي هو العلاقات الثقافية والعلمية التي تربط بين الشعب الإيراني والشعوب العربية؛ على سبيل المثال هناك مستشفى اثري بدمشق يسمى بيمارستان نور الدين اسسه وليد بن عبد الملك الخليفة الاموي سنة 86 للهجرة.
فاستخدام لفظة بيمارستان الفارسية رغم وجود كلمة مستشفى انما هو دليل بارز على ان علم الطب ومصطلحاته دخلت البلدان العربية من ايران مباشرة أو غير مباشرة كما دخلتها من اليونان ايضا.
اجل فقد تسربت العديد من المفردات الفارسية في صلب اللغة العربية وشاع استعمالها فيها بحيث يشعر كل عربي مثقف بضرورة الالمام باللغة الفارسية وآدابها ليدرك لغته الام وليتعرف الى التراث الاسلامي العالمي اكثر فأكثر.
وفي المقابل لا بد من الاشارة ولو موجزة الى ان هناك كما هائلا من المفردات العربية دخلت الفارسية خاصة بعد الإسلام يزيد على اكثر من خمسين بالمئة ولا يستغني كل ايراني عن استخدامها في محاوراته اليومية وكتاباته بين كلمات احتفظت بطابعها العربي وشاكلتها الاصلية وبين مفردات ومصطلحات شملتها تعديلات او تغييرات حولتها الى مفردات نصفها عربي وآخر فارسي مما يشجع كل عربي يشغف لتعلم اللغة الفارسية الى تعلمها نظرا لهذا التبادل اللغوي الذي حصل بين العربية والفارسية وذلك فضلا عن وجود خط مشترك بين اللغتين وهو الخط الذي اقتبسه الايرانيون من العرب بعد الإسلام مما يسهل عملية التعلم اكثر من ان يتصور.
لا انسى ان اذكر تسرب القواعد العربية بما فيها الصرف او النحو في الفارسية بحيث يمكنني القول بانه يصعب تعلم علم القواعد في اللغة الفارسية بدون الالمام بأصول قواعد اللغة العربية. هنا أودّ الإشارة إلى ان استعمال المفردات والالفاظ العربية في الفارسية يتمثل في احد الشكلين التاليين:
اولا عندما لا يوجد للمفردة العربية ما يرادفها في الفارسية كالزكاة والرحمن والصدقة والخمس وما شاكل ذلك.
ثانيا عندما تكون المفردة العربية ايسر نطقا واوسع معنى واكثر استعمالا وتداولا من المفردة الفارسية ذاتها كالامداد القاضي، الحاكم، احياء، استقرار، التصوير وما شاكها مما لا يعد ولا يحصى. وقد يتغير معنى المفردة العربية عندما تدخل الفارسية نحو لفظة كثيف التي تعني المملوء والمكثف الا انها في الفارسية لها معنى سلبي هو الملطّخ او كلمة ملة التي تعني في العربية الدين الا انها في الفارسية تعني الامة. ومن مثل هذه التغييرات في الشكل والمعنى لكثير لا تسعها دراستنا هذه. وختاما على دراستنا هذه أعود لأذكرك أيها القارئ الكريم بحتمية العلاقات والاشتراكات بين الإيرانيين والعرب وذلك بإيراد نماذج على سبيل المثال لا الحصر من المفردات الفارسية. وكمسك ختام لموضوعنا هذا أورد كلمات فارسية يداولها اللبنانيون في محاوراتهم اليومية وتقابلها ألفاظ عربية لا يتواني الإيرانيون عن استعمالها. فكلمات من مثل: كنار بخشيش روزنامه والتي يستعملها اللبنانيون بكثرة، ترادفها في ايران كلمات عربية بنفس المعنى وهي: جنب؛ تقويم؛ انعام.
وأخيرا لا يسعني إلا القول بأن العلاقات الإيرانية العربية وخاصة اللبنانية منها لا تنحصر على مواضيع لغوية فحسب وانما هناك الكثير الكثير من الاشتراكات تربط الطرفين منذ الأزمنة الغابرة إلى يومنا الحاضر مما يدعو كلا الجانبين إلى التعرّف الى الجانب الآخر أكثر فأكثر لا محالة.
(طهران)
http://www.assafir.com/iso/today/weekly_culture/8552.html