NEWMAN
09-04-2008, 06:29 AM
التكتل الطرابلسي» يميّز نفسه وحرب يبتعد محتجاً والجميّل يسأل عن ...دمشق
تيار عون مأزوم والمر الأب نحو «الاستقلال» ... و«اللقاء الوطني» يسأل عن «الدور»!
هاجس «الفراغ» يهزّ صفوف الأكثرية والمعارضة..
كتب المحرر السياسي:
يشعر رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن هاجس الفراغ بدأ يقترب من المجلس النيابي نفسه... ذلك أننا أصبحنا على عتبة العشرين من نيسان، تاريخ بدء العد العكسي للسنة الأخيرة من عمر المجلس النيابي الحالي، وبالتالي صار لزاما على الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم في التوصل الى تسوية تؤمن وصول قائد الجيش العماد ميشال سليمان الى القصر الجمهوري في بعبدا، وفي الوقت نفسه توفر مخرجا للوضع الحكومي، لكن الأهم من ذلك، هو التوافق على قانون انتخابي منذ الآن، حتى لا تبقى الأمور معلقة حتى آخر لحظة! وما أدراك ما هي اللحظة الأخيرة، وهل يمكن أن تكون نتيجتها كما حصل في عام 2005 عندما تحول قانون الألفين (قانون غازي كنعان) الى مخرج للجميع، وخاصة فريق الرابع عشر من آذار، من دون استبعاد احتمال انتهاء ولاية المجلس هذه المرة من دون الاتفاق على قانون انتخابي جديد.
وما كان يحسب الرئيس بري حسابه أيضا أن مجرد طرح قانون الانتخاب على الطاولة، سيؤدي الى إعادة تموضع في صفوف الأكثرية والمعارضة، على قاعدة التحالفات المفترضة، سعيا للفوز بالانتخابات، خاصة أن المال الذي يفعل فعله حاليا، في الاتجاهين، سيجعل انتخابات لبنان النيابية المقبلة من أغلى عمليات الانتخاب في العالم.
وما لم يجاهر به الرئيس بري هو أن أحدا لا يلتفت اليوم الى حالة اللبنانيين، في ظل الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي بلغ بتدهوره مستويات دراماتيكية، فيما كل لبناني هو مشروع مهاجر أو مهجر ونازح من أرضه، والدليل الأرقام التي ترد اليه عن ظاهرة الإقبال على السفارات كما على مراكز الأمن العام للحصول على جوازات سفر جديدة.
افترض الرئيس بري تجاوب الداخل، ولذلك بدا مهتماً أكثر بردود الفعل الخارجية على مبادرته الحوارية، لكنه فوجئ بأن ما كان يفترضه سهلا في الداخل بدا أصعب من كل المرات السابقة، لكن الأهم من ذلك أن الحركة التي قام بها، معطوفة على واقع الفراغ المتفاقم، أدت الى هز الواقع السياسي المتردي الذي يستهلك نفسه يوميا، وخير دليل أن حدثاً سياسياً مثل إعلان قائد الجيش العماد ميشال سليمان عبر «السفير» عن قراره حزم أمتعته بانتهاء ولايته القانونية على رأس المؤسسة العسكرية في الواحد والعشرين من آب المقبل، تفاعل لمدة يوم واحد قبل أن يصبح طي النسيان!
لم يكن تفاعل الأكثرية والمعارضة بالمقدار نفسه مع مبادرة بري، «فأكثرية أهل البيت (المعارضة) فوجئوا بها، كما فوجئوا بمبادرة الوزير السابق سليمان فرنجية عبر الشاشة الصغيرة، كما فوجئوا من قبل بمواقف لبعض أقطاب المعارضة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، وضع العماد ميشال عون شروطاً باسم المعارضة على العشرات الثلاث خلال الاجتماع الرباعي، قبل أن يعترض رئيس المجلس على موقفه ويبلغ عمرو موسى أنه مستعد لتوفير النصاب لانتخاب رئيس الجمهورية بنواب كتلته اذا تبنت الأكثرية العشرات الثلاث، ولكن الجواب لم يأت»...
(تتمة المنشور ص 1)
ومن «يتسلل» الى البيت الأكثري، من خلال دعوة الرئيس بري للحوار، يجد حالة من القرف تسيطر على نواب هذا الفريق وشخصياته، خاصة بعد أن تم «تلزيم» الأمانة العامة لأحد النواب السابقين، فإذا به يتولى مع نفر من الأعضاء صياغة «وثيقة سياسية تاريخية»، من دون أن يكلف نفسه ولو عناء اتصال هاتفي ببعض أقطاب الأكثرية وقياداتها، ليسمعوا بها فقط لحظة إعلانها من «البيال»... تماما كما يحصل مع النواب الذين «احتموا» بـ«الفينيسيا» ومن ثم بـ»لاهويا» قبل أن يتفرقوا الى شققهم السرية في العاصمة والمناطق، بعد أن أصابهم الملل وصيغة أوامر المستشارين عبر الهاتف والملفات الورقية الجاهزة لما ينبغي أن يقولوه اذا طلب منهم أن يطلوا تلفزيونيا، فيما هم يعانون أزمة انقطاعهم عن جمهورهم لأسباب أمنية خارجة عن إرادتهم، فيما الانتخابات على الأبواب، وهناك من يقول لهم «مقاعدكم محفوظة ولا تشغلوا بالكم بالموضوع»!
هذا الواقع يسلط الضوء على حساسيات مطمورة أو مقموعة ضمن حركة قوى 14 آذار التي تعاني منذ انطلاقتها من واقع طغيان بعض الأدوار، على حساب مواقع سياسية حقيقية، فيما «القيمون» على الأكثرية يضعون ذلك تحت عنوان «التنوع ضمن الوحدة»...
وعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هو «التكتل الطرابلسي» برئاسة الوزير محمد الصفدي يصر على التمايز في أكثر من مناسبة، سواء في «حرب تموز» أو في «حوار سان كلو» أو في الموقف من دعوة بري الجديدة للحوار، حيث تتوسع الهوة علناً بينه وبين فريق 14 آذار، خاصة بعد إعلان وثيقة «ربيع بيروت» (أين أصبحت ترجمتها بالمناسبة؟؟) التي كان النائب محمد كبارة أول من أطلق النار عليها، باسم «التكتل الطرابلسي»، اعتراضاً على الشكل قبل مناقشة المضمون.
ينسحب الأمر نفسه على شخصيات عدة في الأكثرية، لعل الأكثر جرأة بينها هو النائب الشيخ بطرس حرب، الذي رفض التعامل معه كملحق، في أكثر من مناسبة، وهو أصر على المساءلة، وخير نموذج هو موضوع رئاسة الجمهورية ورفضه الانتخاب إلا بنصاب الثلثين وعدم «هضمه» قضية تبني ترشيح قائد الجيش، احتجاجا على الطريقة والأسلوب قبل المضمون المبدئي.
فالرواية تقول إن أحد أبرز أقطاب فريق 14 آذار تبلغ قرارا من دولة إقليمية بحسم الترشيح لمصلحة العماد ميشال سليمان، فما كان منه إلا أن توجه في الثالث والعشرين من تشرين الثاني مباركا للمعني في اليرزة ومبلغا «رفاقه»، وأولهم النائب وليد جنبلاط وثانيهم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة... وأخيرا مسيحيو الأكثرية الذي صدموا بـ«البلاغ» قبل أن تتدفق «الهدايا» الى معراب ويصبح معها المستحيل ممكناً بين ليلة وضحاها، فيما أصرت قلة من المعترضين على اعتراضها المبدئي.
ولعل بعض الوقائع الفئوية هي التي جعلت «التكتل الطرابلسي» يقاطع «احتفالية ربيع بيروت»، وغيب عنها أمثال بطرس حرب الذي كان أول من تلقف مبادرة الرئيس بري الحوارية، وذلك في سياق تمايزي، دشنه بمقاربته المستقبلية لملف تصحيح العلاقات اللبنانية السورية، وهو مسار يفترض أن يتوج بالإعلان عن انطلاقة حركة سياسية جديدة في غضون الأسابيع المقبلة، تضمه وشخصيات سياسية من المناطق اللبنانية كافة، تأخذ على عاتقها أولوية الإنقاذ الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونقل زوار بطرس حرب عنه قوله «لم يعد جائزا أن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نتفرج على سقوط بلدنا في الهاوية والفراغ، وصار مطلوبا منا أن نضع حدا لعملية تيئيس اللبنانيين من قبل بعض أهل السياسة ممن لا يقيمون حسابا سوى لمصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية والمناطقية».
وعندما قيل له: هل تغادر بذلك فريق الأكثرية؟ أجاب حرب «أنا لا أغادر الرابع عشر من آذار، وهذه الحركة ملك الشعب اللبناني، من غادرها هي قياداتها التي صارت بعيدة جدا عن العناوين الوطنية الكبرى التي جعلت الشعب اللبناني ينزل الى الشارع مطالبا بالسيادة والحرية والاستقلال، والسؤال المطروح هو: ماذا بقي من هذه السيادة والحرية والاستقلال بعد مرور ثلاث سنوات على ذلك الحدث الوطني الكبير»؟
وفيما تردد أن حركة النائب حرب غير بعيدة عن مناخ «التكتل الطرابلسي» وعن بعض مسيحيي الأكثرية، وخاصة بعض الرموز الشمالية، وحتى عن بعض الشخصيات الوسطية، فإن بعض رموز الأكثرية ممن انتقدوا حرب و«التكتل» في المجالس العلنية، لم يترددوا في الآونة الأخيرة في تكرار محاولة إعادة فتح الخطوط مع الجانب السوري، وخاصة في ظل وجود طامحين تاريخيين مثل الرئيس أمين الجميل، على سبيل المثال لا الحصر، وهو الذي كان قد أعطى إشارات انفتاحية متكررة إزاء «حزب الله» (نسفها من واشنطن) وتجاه الرئيس بري (أول من تجاوب مع دعوته للحوار)، فيما كان البعض من الفريق نفسه يكتفي في المرحلة الأولى بالاستفسار عن أحوال هذا أو ذاك من المسؤولين السوريين الذين كانوا على تماس مع بعض الشخصيات اللبنانية في مرحلة ما!
وما ينطبق على الأكثرية ويمكن قوله عن أحوالها، وخاصة حول ما يجري من نقاش داخلي بعد إعلان «أمانتها العامة»، ينسحب أيضا على المعارضة التي كانت تراهن على «استقطاب» بعض نواب الأكثرية ورموزها، فإذا بها تدافع عن «حدودها»، وحتى عن بيتها الداخلي، في ظل صعوبات تواجه بعض قواها مثل «التيار الوطني الحر» و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» على سبيل المثال لا الحصر أيضا.
وها هو «دولة» ميشال المر ينتظر أن يشهر اليوم من قصر المؤتمرات في ضبيه «استقلاليته السياسية»، منتقلا من تكتل العماد ميشال عون النيابي (التغيير والإصلاح)، الى هامش الاستقلالية والوسطية وليس الذهاب الى 14 آذار، في خطوة يغلب عليها الطابع المتني أكثر منه الوطني استعدادا للانتخابات النيابية، في ضوء ما بدأ يتشكل لديه من قاعدة بيانية تشي بالكثير من المعطيات الجديدة والمستجدة، ولو تم تغليفها بكلام وطني سيقال اليوم من موقع مسيحي ومتني (العودة دائما الى القواعد)...
لن يكون مفاجئا مثلا أن نسمع المر يقول اليوم إنه من غير الجائز استمرار الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية، ولا بد من انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان فورا، وذلك على قاعدة أن الواقع السيئ (رئيس من دون حكومة وحدة وطنية) أفضل من الأسوأ (لا رئاسة ولا حكومة وحدة وطنية)، ولذلك سيكون في خطابه قريبا من سليمان فرنجية وبعيدا نسبيا عن ميشال عون دون أن يتعرض له، على أن يبقى «العضو السري الدائم في خلية عين التينة التسووية»، فالموضوع «بات أكبر من مجرد انتساب الى تكتل نيابي أو خروج منه لأنه يطال مصير الوطن» كما يردد المر أمام مريديه، مضيفا «لا أستطيع أن أتحمل نقمة المسيحيين في المتن على بقاء منصب رئاسة الجمهورية شاغرا لأي سبب من الاسباب».
لعل ميزة المر أنه في ما يذهب اليه قرر أن لا يحشر أو يحرج حليفه الأرمني حزب الطاشناق، بل أن يتركه متحررا، في انتظار ما ستؤول اليه المرحلة المقبلة، خاصة أن الطاشناق مرشح لاحتلال دور بارز في الواجهة السياسية للمعارضة في المرحلة المقبلة اذا اكتملت صيغتها الجبهوية العريضة التي تواجه صعوبات بنيوية، تتعلق بمعظمها بالشكل أكثر من المضمون، بدليل أن مناقشات الاطار التنظيمي مستمرة منذ أسابيع، ولكن لم يتخللها نقاش حرف واحد بالسياسة التي تم تلزيمها للأقطاب وهم الرباعي («حزب الله» و«أمل» وميشال عون وسليمان فرنجية)، علما أن المبادرة انطلقت من خلال مساحة سياسية كان «اللقاء الوطني» يحاول أن يخلقها بينه وبين العماد ميشال عون، تكون نسخة مطورة لتفاهم مار مخايل بين الأخير و«حزب الله». وتقرر في مرحلتها شبه الأخيرة أن تكون وثيقة لكل المعارضة وصارت لاحقا مشروعا جبهويا يخضع للائحة مطالب وشروط مستحيلة.
ومن يراقب «البيت المعارض»، يرصد عجقة سير عند مداخله وعلى جنباته بحجة «الحيثية» السياسية والشعبية في هذا الموقع الطائفي أو ذاك، وما التوزيعة المقترحة للقيادة إلا خير دليل على الغرق في مستنقع الحسابات الطائفية والمذهبية الصغيرة التي من وطأتها تبني هذا الفريق لقانون الستين الانتخابي، بينما كان جمهوره الافتراضي يأمل تبني قانون يضع لبنان على سكة الخروج من المستنقع الطائفي، وذلك باعتماد النسبية ولو بالصيغة التي اقترحتها الهيئة الوطنية برئاسة فؤاد بطرس.
وتواجه المعارضة مأزق ترضية سعي بعض «ركابها» الى «نفخ» أدوارهم وتضخيمها عبر اصطناع أطر مسلوقة تتيح لهذا البعض المطالبة بموقع متقدم في الصفوف الاولى، حيث تتبدى منذ الآن وقبل انعقاد المؤتمر الوطني المعارض الموسع صورة عشرات «الامناء العامين»، الذين يريدون الجلوس الى طاولة واحدة من حول السيد حسن نصر الله وميشال عون، ولو أن بعضهم تقتصر قاعدته عليه وحده وفي أحسن الأحوال على بعض أفراد عائلته....
أما ورقة العمل التي وضعتها بعض الشخصيات الوازنة في «اللقاء الوطني»، فإنها مهملة، في الوقت الذي كان يفترض أن تشكل مدخلا لطرح أسئلة وطنية مفصلية ومصيرية لا تجد أحدا يقدم جوابا واضحا عنها، فيما الجمهور هنا وهناك، لا يخضع قياداته للمساءلة بل يستجيب الى دعوته للمبارزة في الساحات ولإطلاق الأرقام المليونية التي أصبح معها عدد سكان لبنان أضعاف سكان الصين!
من أين نبدأ من أجل وضع وطننا على سكة الإنقاذ الوطني لمنع السقوط الطوعي الواعي في الهاوية، وهل ندرك أن لعبة الوصول بالبلد الى شفير الهاوية في كل مرة غير مضمونة النتائج في ظل الحرائق التي تحيط بلبنان، وخاصة في فلسطين التي تستعد لإحياء الذكرى الستين لنكبتها، والعراق الذي «يحتفل» اليوم بالذكرى الخامسة لنكبته، بينما يعاند اللبنانيون الوقائع المرة من حولهم، وكأنهم بذلك يرغبون بنكبة تجعلهم يفرّطون بأغلى ما صنعت أيديهم، وخاصة هزيمة اسرائيل؟
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=909&articleId=1104&ChannelId=20569=
======================================
مقال جميل جدا من الاستاذ طلال سلمان
ننصح بقرأته مرتين وثلاث
=====================================
تيار عون مأزوم والمر الأب نحو «الاستقلال» ... و«اللقاء الوطني» يسأل عن «الدور»!
هاجس «الفراغ» يهزّ صفوف الأكثرية والمعارضة..
كتب المحرر السياسي:
يشعر رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن هاجس الفراغ بدأ يقترب من المجلس النيابي نفسه... ذلك أننا أصبحنا على عتبة العشرين من نيسان، تاريخ بدء العد العكسي للسنة الأخيرة من عمر المجلس النيابي الحالي، وبالتالي صار لزاما على الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم في التوصل الى تسوية تؤمن وصول قائد الجيش العماد ميشال سليمان الى القصر الجمهوري في بعبدا، وفي الوقت نفسه توفر مخرجا للوضع الحكومي، لكن الأهم من ذلك، هو التوافق على قانون انتخابي منذ الآن، حتى لا تبقى الأمور معلقة حتى آخر لحظة! وما أدراك ما هي اللحظة الأخيرة، وهل يمكن أن تكون نتيجتها كما حصل في عام 2005 عندما تحول قانون الألفين (قانون غازي كنعان) الى مخرج للجميع، وخاصة فريق الرابع عشر من آذار، من دون استبعاد احتمال انتهاء ولاية المجلس هذه المرة من دون الاتفاق على قانون انتخابي جديد.
وما كان يحسب الرئيس بري حسابه أيضا أن مجرد طرح قانون الانتخاب على الطاولة، سيؤدي الى إعادة تموضع في صفوف الأكثرية والمعارضة، على قاعدة التحالفات المفترضة، سعيا للفوز بالانتخابات، خاصة أن المال الذي يفعل فعله حاليا، في الاتجاهين، سيجعل انتخابات لبنان النيابية المقبلة من أغلى عمليات الانتخاب في العالم.
وما لم يجاهر به الرئيس بري هو أن أحدا لا يلتفت اليوم الى حالة اللبنانيين، في ظل الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي بلغ بتدهوره مستويات دراماتيكية، فيما كل لبناني هو مشروع مهاجر أو مهجر ونازح من أرضه، والدليل الأرقام التي ترد اليه عن ظاهرة الإقبال على السفارات كما على مراكز الأمن العام للحصول على جوازات سفر جديدة.
افترض الرئيس بري تجاوب الداخل، ولذلك بدا مهتماً أكثر بردود الفعل الخارجية على مبادرته الحوارية، لكنه فوجئ بأن ما كان يفترضه سهلا في الداخل بدا أصعب من كل المرات السابقة، لكن الأهم من ذلك أن الحركة التي قام بها، معطوفة على واقع الفراغ المتفاقم، أدت الى هز الواقع السياسي المتردي الذي يستهلك نفسه يوميا، وخير دليل أن حدثاً سياسياً مثل إعلان قائد الجيش العماد ميشال سليمان عبر «السفير» عن قراره حزم أمتعته بانتهاء ولايته القانونية على رأس المؤسسة العسكرية في الواحد والعشرين من آب المقبل، تفاعل لمدة يوم واحد قبل أن يصبح طي النسيان!
لم يكن تفاعل الأكثرية والمعارضة بالمقدار نفسه مع مبادرة بري، «فأكثرية أهل البيت (المعارضة) فوجئوا بها، كما فوجئوا بمبادرة الوزير السابق سليمان فرنجية عبر الشاشة الصغيرة، كما فوجئوا من قبل بمواقف لبعض أقطاب المعارضة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، وضع العماد ميشال عون شروطاً باسم المعارضة على العشرات الثلاث خلال الاجتماع الرباعي، قبل أن يعترض رئيس المجلس على موقفه ويبلغ عمرو موسى أنه مستعد لتوفير النصاب لانتخاب رئيس الجمهورية بنواب كتلته اذا تبنت الأكثرية العشرات الثلاث، ولكن الجواب لم يأت»...
(تتمة المنشور ص 1)
ومن «يتسلل» الى البيت الأكثري، من خلال دعوة الرئيس بري للحوار، يجد حالة من القرف تسيطر على نواب هذا الفريق وشخصياته، خاصة بعد أن تم «تلزيم» الأمانة العامة لأحد النواب السابقين، فإذا به يتولى مع نفر من الأعضاء صياغة «وثيقة سياسية تاريخية»، من دون أن يكلف نفسه ولو عناء اتصال هاتفي ببعض أقطاب الأكثرية وقياداتها، ليسمعوا بها فقط لحظة إعلانها من «البيال»... تماما كما يحصل مع النواب الذين «احتموا» بـ«الفينيسيا» ومن ثم بـ»لاهويا» قبل أن يتفرقوا الى شققهم السرية في العاصمة والمناطق، بعد أن أصابهم الملل وصيغة أوامر المستشارين عبر الهاتف والملفات الورقية الجاهزة لما ينبغي أن يقولوه اذا طلب منهم أن يطلوا تلفزيونيا، فيما هم يعانون أزمة انقطاعهم عن جمهورهم لأسباب أمنية خارجة عن إرادتهم، فيما الانتخابات على الأبواب، وهناك من يقول لهم «مقاعدكم محفوظة ولا تشغلوا بالكم بالموضوع»!
هذا الواقع يسلط الضوء على حساسيات مطمورة أو مقموعة ضمن حركة قوى 14 آذار التي تعاني منذ انطلاقتها من واقع طغيان بعض الأدوار، على حساب مواقع سياسية حقيقية، فيما «القيمون» على الأكثرية يضعون ذلك تحت عنوان «التنوع ضمن الوحدة»...
وعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هو «التكتل الطرابلسي» برئاسة الوزير محمد الصفدي يصر على التمايز في أكثر من مناسبة، سواء في «حرب تموز» أو في «حوار سان كلو» أو في الموقف من دعوة بري الجديدة للحوار، حيث تتوسع الهوة علناً بينه وبين فريق 14 آذار، خاصة بعد إعلان وثيقة «ربيع بيروت» (أين أصبحت ترجمتها بالمناسبة؟؟) التي كان النائب محمد كبارة أول من أطلق النار عليها، باسم «التكتل الطرابلسي»، اعتراضاً على الشكل قبل مناقشة المضمون.
ينسحب الأمر نفسه على شخصيات عدة في الأكثرية، لعل الأكثر جرأة بينها هو النائب الشيخ بطرس حرب، الذي رفض التعامل معه كملحق، في أكثر من مناسبة، وهو أصر على المساءلة، وخير نموذج هو موضوع رئاسة الجمهورية ورفضه الانتخاب إلا بنصاب الثلثين وعدم «هضمه» قضية تبني ترشيح قائد الجيش، احتجاجا على الطريقة والأسلوب قبل المضمون المبدئي.
فالرواية تقول إن أحد أبرز أقطاب فريق 14 آذار تبلغ قرارا من دولة إقليمية بحسم الترشيح لمصلحة العماد ميشال سليمان، فما كان منه إلا أن توجه في الثالث والعشرين من تشرين الثاني مباركا للمعني في اليرزة ومبلغا «رفاقه»، وأولهم النائب وليد جنبلاط وثانيهم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة... وأخيرا مسيحيو الأكثرية الذي صدموا بـ«البلاغ» قبل أن تتدفق «الهدايا» الى معراب ويصبح معها المستحيل ممكناً بين ليلة وضحاها، فيما أصرت قلة من المعترضين على اعتراضها المبدئي.
ولعل بعض الوقائع الفئوية هي التي جعلت «التكتل الطرابلسي» يقاطع «احتفالية ربيع بيروت»، وغيب عنها أمثال بطرس حرب الذي كان أول من تلقف مبادرة الرئيس بري الحوارية، وذلك في سياق تمايزي، دشنه بمقاربته المستقبلية لملف تصحيح العلاقات اللبنانية السورية، وهو مسار يفترض أن يتوج بالإعلان عن انطلاقة حركة سياسية جديدة في غضون الأسابيع المقبلة، تضمه وشخصيات سياسية من المناطق اللبنانية كافة، تأخذ على عاتقها أولوية الإنقاذ الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونقل زوار بطرس حرب عنه قوله «لم يعد جائزا أن نقف مكتوفي الأيدي ونحن نتفرج على سقوط بلدنا في الهاوية والفراغ، وصار مطلوبا منا أن نضع حدا لعملية تيئيس اللبنانيين من قبل بعض أهل السياسة ممن لا يقيمون حسابا سوى لمصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية والمناطقية».
وعندما قيل له: هل تغادر بذلك فريق الأكثرية؟ أجاب حرب «أنا لا أغادر الرابع عشر من آذار، وهذه الحركة ملك الشعب اللبناني، من غادرها هي قياداتها التي صارت بعيدة جدا عن العناوين الوطنية الكبرى التي جعلت الشعب اللبناني ينزل الى الشارع مطالبا بالسيادة والحرية والاستقلال، والسؤال المطروح هو: ماذا بقي من هذه السيادة والحرية والاستقلال بعد مرور ثلاث سنوات على ذلك الحدث الوطني الكبير»؟
وفيما تردد أن حركة النائب حرب غير بعيدة عن مناخ «التكتل الطرابلسي» وعن بعض مسيحيي الأكثرية، وخاصة بعض الرموز الشمالية، وحتى عن بعض الشخصيات الوسطية، فإن بعض رموز الأكثرية ممن انتقدوا حرب و«التكتل» في المجالس العلنية، لم يترددوا في الآونة الأخيرة في تكرار محاولة إعادة فتح الخطوط مع الجانب السوري، وخاصة في ظل وجود طامحين تاريخيين مثل الرئيس أمين الجميل، على سبيل المثال لا الحصر، وهو الذي كان قد أعطى إشارات انفتاحية متكررة إزاء «حزب الله» (نسفها من واشنطن) وتجاه الرئيس بري (أول من تجاوب مع دعوته للحوار)، فيما كان البعض من الفريق نفسه يكتفي في المرحلة الأولى بالاستفسار عن أحوال هذا أو ذاك من المسؤولين السوريين الذين كانوا على تماس مع بعض الشخصيات اللبنانية في مرحلة ما!
وما ينطبق على الأكثرية ويمكن قوله عن أحوالها، وخاصة حول ما يجري من نقاش داخلي بعد إعلان «أمانتها العامة»، ينسحب أيضا على المعارضة التي كانت تراهن على «استقطاب» بعض نواب الأكثرية ورموزها، فإذا بها تدافع عن «حدودها»، وحتى عن بيتها الداخلي، في ظل صعوبات تواجه بعض قواها مثل «التيار الوطني الحر» و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» على سبيل المثال لا الحصر أيضا.
وها هو «دولة» ميشال المر ينتظر أن يشهر اليوم من قصر المؤتمرات في ضبيه «استقلاليته السياسية»، منتقلا من تكتل العماد ميشال عون النيابي (التغيير والإصلاح)، الى هامش الاستقلالية والوسطية وليس الذهاب الى 14 آذار، في خطوة يغلب عليها الطابع المتني أكثر منه الوطني استعدادا للانتخابات النيابية، في ضوء ما بدأ يتشكل لديه من قاعدة بيانية تشي بالكثير من المعطيات الجديدة والمستجدة، ولو تم تغليفها بكلام وطني سيقال اليوم من موقع مسيحي ومتني (العودة دائما الى القواعد)...
لن يكون مفاجئا مثلا أن نسمع المر يقول اليوم إنه من غير الجائز استمرار الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية، ولا بد من انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان فورا، وذلك على قاعدة أن الواقع السيئ (رئيس من دون حكومة وحدة وطنية) أفضل من الأسوأ (لا رئاسة ولا حكومة وحدة وطنية)، ولذلك سيكون في خطابه قريبا من سليمان فرنجية وبعيدا نسبيا عن ميشال عون دون أن يتعرض له، على أن يبقى «العضو السري الدائم في خلية عين التينة التسووية»، فالموضوع «بات أكبر من مجرد انتساب الى تكتل نيابي أو خروج منه لأنه يطال مصير الوطن» كما يردد المر أمام مريديه، مضيفا «لا أستطيع أن أتحمل نقمة المسيحيين في المتن على بقاء منصب رئاسة الجمهورية شاغرا لأي سبب من الاسباب».
لعل ميزة المر أنه في ما يذهب اليه قرر أن لا يحشر أو يحرج حليفه الأرمني حزب الطاشناق، بل أن يتركه متحررا، في انتظار ما ستؤول اليه المرحلة المقبلة، خاصة أن الطاشناق مرشح لاحتلال دور بارز في الواجهة السياسية للمعارضة في المرحلة المقبلة اذا اكتملت صيغتها الجبهوية العريضة التي تواجه صعوبات بنيوية، تتعلق بمعظمها بالشكل أكثر من المضمون، بدليل أن مناقشات الاطار التنظيمي مستمرة منذ أسابيع، ولكن لم يتخللها نقاش حرف واحد بالسياسة التي تم تلزيمها للأقطاب وهم الرباعي («حزب الله» و«أمل» وميشال عون وسليمان فرنجية)، علما أن المبادرة انطلقت من خلال مساحة سياسية كان «اللقاء الوطني» يحاول أن يخلقها بينه وبين العماد ميشال عون، تكون نسخة مطورة لتفاهم مار مخايل بين الأخير و«حزب الله». وتقرر في مرحلتها شبه الأخيرة أن تكون وثيقة لكل المعارضة وصارت لاحقا مشروعا جبهويا يخضع للائحة مطالب وشروط مستحيلة.
ومن يراقب «البيت المعارض»، يرصد عجقة سير عند مداخله وعلى جنباته بحجة «الحيثية» السياسية والشعبية في هذا الموقع الطائفي أو ذاك، وما التوزيعة المقترحة للقيادة إلا خير دليل على الغرق في مستنقع الحسابات الطائفية والمذهبية الصغيرة التي من وطأتها تبني هذا الفريق لقانون الستين الانتخابي، بينما كان جمهوره الافتراضي يأمل تبني قانون يضع لبنان على سكة الخروج من المستنقع الطائفي، وذلك باعتماد النسبية ولو بالصيغة التي اقترحتها الهيئة الوطنية برئاسة فؤاد بطرس.
وتواجه المعارضة مأزق ترضية سعي بعض «ركابها» الى «نفخ» أدوارهم وتضخيمها عبر اصطناع أطر مسلوقة تتيح لهذا البعض المطالبة بموقع متقدم في الصفوف الاولى، حيث تتبدى منذ الآن وقبل انعقاد المؤتمر الوطني المعارض الموسع صورة عشرات «الامناء العامين»، الذين يريدون الجلوس الى طاولة واحدة من حول السيد حسن نصر الله وميشال عون، ولو أن بعضهم تقتصر قاعدته عليه وحده وفي أحسن الأحوال على بعض أفراد عائلته....
أما ورقة العمل التي وضعتها بعض الشخصيات الوازنة في «اللقاء الوطني»، فإنها مهملة، في الوقت الذي كان يفترض أن تشكل مدخلا لطرح أسئلة وطنية مفصلية ومصيرية لا تجد أحدا يقدم جوابا واضحا عنها، فيما الجمهور هنا وهناك، لا يخضع قياداته للمساءلة بل يستجيب الى دعوته للمبارزة في الساحات ولإطلاق الأرقام المليونية التي أصبح معها عدد سكان لبنان أضعاف سكان الصين!
من أين نبدأ من أجل وضع وطننا على سكة الإنقاذ الوطني لمنع السقوط الطوعي الواعي في الهاوية، وهل ندرك أن لعبة الوصول بالبلد الى شفير الهاوية في كل مرة غير مضمونة النتائج في ظل الحرائق التي تحيط بلبنان، وخاصة في فلسطين التي تستعد لإحياء الذكرى الستين لنكبتها، والعراق الذي «يحتفل» اليوم بالذكرى الخامسة لنكبته، بينما يعاند اللبنانيون الوقائع المرة من حولهم، وكأنهم بذلك يرغبون بنكبة تجعلهم يفرّطون بأغلى ما صنعت أيديهم، وخاصة هزيمة اسرائيل؟
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=909&articleId=1104&ChannelId=20569=
======================================
مقال جميل جدا من الاستاذ طلال سلمان
ننصح بقرأته مرتين وثلاث
=====================================