Daniella
15-04-2008, 06:45 PM
أين نحن من مصالح أميركا؟!
يردّد الرئيس الأميركي مؤخراً في أكثر تصريحاته «أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة هو للدفاع عن مصالح أميركا وحلفائها». نحن لا نشك لحظة واحدة في صحة هذا التوصيف، لأن الدور الأميركي في المنطقة ليس له «رسالة تمدينية أو تحديثية»، وليس من أولوياته أبداً أن ينشر الديموقراطية، وأن يدافع عن حقوق الإنسان. لم يكن التبشير الأميركي لهذه الموجة الاستعمارية الجديدة إلا لحظة عابرة جرى سحبها من التداول سريعاً بعد احتلال العراق. لقد عادت أميركا فوراً إلى حلفها القديم مع دول وأنظمة وسلطات هي عنوان صارخ لمجافاة الديموقراطية وحقوق الإنسان. لقد صار هذا واضحاً، وعليه ألف دليل. لكننا الآن نسأل عن طبيعة «المصالح الأميركية» وشروط تحقيقها لنكتشف سريعاً أنها لا تترك مكاناً لأي «مصالح عربية».
فإذا كنا اعتدنا أن نلخّص «المصالح الأميركية» في ركيزتين، هما «النفط وإسرائيل»، فقد أغفلنا أنه لم يكن هناك من تهديد فعلي أو جدي لهذين المطلبين. بعد حرب تشرين 1973 أسقط العرب من حسابهم «سلاح النفط» وأعلنوا مراراً وتكراراً أن هذه السلعة الاستراتيجية الدولية ليست موضوعاً للاستخدام السياسي. لقد سيطرت الولايات المتحدة على مصدر الطاقة هذا بأشكال مختلفة، ولم يتردد صدام حسين في أيامه الأخيرة عن إعلان استعداده لتقديم كل الضمانات لأميركا على هذا الصعيد. أما إسرائيل فهي منذ ذاك التاريخ صارت معطى ثابتاً خارج النقاش لدى جميع المحافل والأوساط السياسية العربية، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي تبنت خيار الدولتين. وتدرّج العرب أو تدحرجوا سريعاً في تعزيز مصداقيتهم على هذا الصعيد بعدد من اتفاقيات السلام، وبفتح علاقات على مستويات مختلفة، وأجمعوا في قمة بيروت العربية عام 2002 على مبادرة تعطي إسرائيل اعترافاً شاملاً وتبادلاً سياسياً ودبلوماسياً لترفع علم دولتها قرب أهم المقدسات الإسلامية.
ولسنا نغالي إذا قلنا إن النفط وعوائد النفط والرساميل العربية وسياسات النظم العربية كلها كانت طوع البنان الأميركي بعد تخلي الأكثرية العربية عن السياسات الراديكالية لأسباب شتى. وإن إسرائيل ومصالح إسرائيل الأمنية قد صارت خارج الجدل والنقاش، وإنها صارت تشارك في مؤتمرات عربية اقتصادية (المغرب) ومؤتمرات سياسية وأمنية (شرم الشيخ)، وإنها حصلت على أعلى درجات التنسيق مع دول المنطقة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. إسرائيل ذاتها عطلت سلام مدريد وقتلت
اتفاقات أوسلو وما لحقها وتفرّع عنها من اتفاقات، وهي من هزئت بمؤتمر أنابوليس وما زالت تتابع سياسة الجدار وتوسيع المستوطنات وتتهيأ للحروب في المنطقة لأن لها أهدافها التوسعية ومطالبها في ما هو أبعد من حقوق أي دولة تمارس سيادتها على أراضيها. وبعد أن طوت إسرائيل أهدافها الأيديولوجية في التوسع الجغرافي وأقرّت بهوية وطنية للشعب الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه، عدنا الآن مع شعار «يهودية الدولة» لنواجه سياسات جذرية لا تقف عند حدود رفض العودة، بل تتعدى ذلك إلى تهديد عرب 1948 بوجودهم داخل الكيان الإسرائيلي.
كيف لنا أن نفسر إذاً مصالح أميركا ومصالح حلفاء أميركا، هل هي فقط في ضمان ديمومة استمداد النفط وتدفقه في شريان الصناعة الغربية، بل جميع نواحي الحياة الغربية، أم في ضمان حدود وأمن الدولة الإسرائيلية كما يتردد في الشعارات السياسية الزائفة؟ فلا هذا ولا ذاك هما محل تهديد أو خطر في الراهن وفي المستقبل المنظور. إن من يحتاج إلى ضمانات على هذا المستوى هو العرب كي يكون لهم رأيهم في استثمار مواردهم وكي يكون لهم الأمن أمام غطرسة إسرائيل غير المحدودة في ممارسة أبشع الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل وضد دول الجوار.
يقودنا هذا إلى جدية السؤال عما يسمّى مصالح أميركية، فإذا بنا نستدل عليها من خلال السلوك الاستعماري المتجدّد الذي يريد تحويل المنطقة كلها إلى حديقة خلفية لهذه الامبريالية الأميركية المشحونة بأيديولوجية عنصرية ذات جذور دينية مشوّهة. أيديولوجية ليست يهودية شرقية بل صهيونية عملت النفعية الغربية على جعلها مسمومة بعقدتي الاضطهاد والعداء للسامية.
لقد أردنا أن نصدّق يوماً شعور الغرب بتحدي الإرهاب الدولي. والإرهاب ظاهرة كونية. فإذا بنا نحن الشعوب الأكثر معاناة من نزعات التشدّد والتطرف والانغلاق الديني والتعصب ومن العنف، قد صرنا جميعاً هدفاً لآلة الدمار والقتل الأميركية في عملية عقاب جماعي لم يسبق له مثيل.
لقد دفع العراق في خمس سنوات أكثر من مليون ضحية لسياسة أميركا في ما زعمته من مكافحة للإرهاب. ولا يزال الشعب الفلسطيني منذ ستين سنة يخضع لإرهاب الدولة المنظم من دون أي حماية دولية، بل هو يتعرض لإبادة منظمة في العصر الأميركي إياه، وفي ظل القوة الأميركية التي تغطي أرض وبحار المنطقة وفضاءها. فإذا نحن غضضنا الطرف عن مدى مشروعية مصالح أميركا أصلاً في أن تتحكّم بثرواتنا وأن تحمي إسرائيل غصباً عن حقوق شعب فلسطين التاريخية، فما هي مصالح أميركا الأخرى التي تسمح لنا بأن نتحاور حولها أصلاً على الأقل بدلاً من هذا التسليم العربي المذل لمشيئة القوة الأميركية؟!
سليمان تقي الدين-السفير
يردّد الرئيس الأميركي مؤخراً في أكثر تصريحاته «أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة هو للدفاع عن مصالح أميركا وحلفائها». نحن لا نشك لحظة واحدة في صحة هذا التوصيف، لأن الدور الأميركي في المنطقة ليس له «رسالة تمدينية أو تحديثية»، وليس من أولوياته أبداً أن ينشر الديموقراطية، وأن يدافع عن حقوق الإنسان. لم يكن التبشير الأميركي لهذه الموجة الاستعمارية الجديدة إلا لحظة عابرة جرى سحبها من التداول سريعاً بعد احتلال العراق. لقد عادت أميركا فوراً إلى حلفها القديم مع دول وأنظمة وسلطات هي عنوان صارخ لمجافاة الديموقراطية وحقوق الإنسان. لقد صار هذا واضحاً، وعليه ألف دليل. لكننا الآن نسأل عن طبيعة «المصالح الأميركية» وشروط تحقيقها لنكتشف سريعاً أنها لا تترك مكاناً لأي «مصالح عربية».
فإذا كنا اعتدنا أن نلخّص «المصالح الأميركية» في ركيزتين، هما «النفط وإسرائيل»، فقد أغفلنا أنه لم يكن هناك من تهديد فعلي أو جدي لهذين المطلبين. بعد حرب تشرين 1973 أسقط العرب من حسابهم «سلاح النفط» وأعلنوا مراراً وتكراراً أن هذه السلعة الاستراتيجية الدولية ليست موضوعاً للاستخدام السياسي. لقد سيطرت الولايات المتحدة على مصدر الطاقة هذا بأشكال مختلفة، ولم يتردد صدام حسين في أيامه الأخيرة عن إعلان استعداده لتقديم كل الضمانات لأميركا على هذا الصعيد. أما إسرائيل فهي منذ ذاك التاريخ صارت معطى ثابتاً خارج النقاش لدى جميع المحافل والأوساط السياسية العربية، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية التي تبنت خيار الدولتين. وتدرّج العرب أو تدحرجوا سريعاً في تعزيز مصداقيتهم على هذا الصعيد بعدد من اتفاقيات السلام، وبفتح علاقات على مستويات مختلفة، وأجمعوا في قمة بيروت العربية عام 2002 على مبادرة تعطي إسرائيل اعترافاً شاملاً وتبادلاً سياسياً ودبلوماسياً لترفع علم دولتها قرب أهم المقدسات الإسلامية.
ولسنا نغالي إذا قلنا إن النفط وعوائد النفط والرساميل العربية وسياسات النظم العربية كلها كانت طوع البنان الأميركي بعد تخلي الأكثرية العربية عن السياسات الراديكالية لأسباب شتى. وإن إسرائيل ومصالح إسرائيل الأمنية قد صارت خارج الجدل والنقاش، وإنها صارت تشارك في مؤتمرات عربية اقتصادية (المغرب) ومؤتمرات سياسية وأمنية (شرم الشيخ)، وإنها حصلت على أعلى درجات التنسيق مع دول المنطقة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. إسرائيل ذاتها عطلت سلام مدريد وقتلت
اتفاقات أوسلو وما لحقها وتفرّع عنها من اتفاقات، وهي من هزئت بمؤتمر أنابوليس وما زالت تتابع سياسة الجدار وتوسيع المستوطنات وتتهيأ للحروب في المنطقة لأن لها أهدافها التوسعية ومطالبها في ما هو أبعد من حقوق أي دولة تمارس سيادتها على أراضيها. وبعد أن طوت إسرائيل أهدافها الأيديولوجية في التوسع الجغرافي وأقرّت بهوية وطنية للشعب الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه، عدنا الآن مع شعار «يهودية الدولة» لنواجه سياسات جذرية لا تقف عند حدود رفض العودة، بل تتعدى ذلك إلى تهديد عرب 1948 بوجودهم داخل الكيان الإسرائيلي.
كيف لنا أن نفسر إذاً مصالح أميركا ومصالح حلفاء أميركا، هل هي فقط في ضمان ديمومة استمداد النفط وتدفقه في شريان الصناعة الغربية، بل جميع نواحي الحياة الغربية، أم في ضمان حدود وأمن الدولة الإسرائيلية كما يتردد في الشعارات السياسية الزائفة؟ فلا هذا ولا ذاك هما محل تهديد أو خطر في الراهن وفي المستقبل المنظور. إن من يحتاج إلى ضمانات على هذا المستوى هو العرب كي يكون لهم رأيهم في استثمار مواردهم وكي يكون لهم الأمن أمام غطرسة إسرائيل غير المحدودة في ممارسة أبشع الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل وضد دول الجوار.
يقودنا هذا إلى جدية السؤال عما يسمّى مصالح أميركية، فإذا بنا نستدل عليها من خلال السلوك الاستعماري المتجدّد الذي يريد تحويل المنطقة كلها إلى حديقة خلفية لهذه الامبريالية الأميركية المشحونة بأيديولوجية عنصرية ذات جذور دينية مشوّهة. أيديولوجية ليست يهودية شرقية بل صهيونية عملت النفعية الغربية على جعلها مسمومة بعقدتي الاضطهاد والعداء للسامية.
لقد أردنا أن نصدّق يوماً شعور الغرب بتحدي الإرهاب الدولي. والإرهاب ظاهرة كونية. فإذا بنا نحن الشعوب الأكثر معاناة من نزعات التشدّد والتطرف والانغلاق الديني والتعصب ومن العنف، قد صرنا جميعاً هدفاً لآلة الدمار والقتل الأميركية في عملية عقاب جماعي لم يسبق له مثيل.
لقد دفع العراق في خمس سنوات أكثر من مليون ضحية لسياسة أميركا في ما زعمته من مكافحة للإرهاب. ولا يزال الشعب الفلسطيني منذ ستين سنة يخضع لإرهاب الدولة المنظم من دون أي حماية دولية، بل هو يتعرض لإبادة منظمة في العصر الأميركي إياه، وفي ظل القوة الأميركية التي تغطي أرض وبحار المنطقة وفضاءها. فإذا نحن غضضنا الطرف عن مدى مشروعية مصالح أميركا أصلاً في أن تتحكّم بثرواتنا وأن تحمي إسرائيل غصباً عن حقوق شعب فلسطين التاريخية، فما هي مصالح أميركا الأخرى التي تسمح لنا بأن نتحاور حولها أصلاً على الأقل بدلاً من هذا التسليم العربي المذل لمشيئة القوة الأميركية؟!
سليمان تقي الدين-السفير