Daniella
17-04-2008, 05:04 PM
الإمبراطورية العسكرية.. إذا تقاعدت
عـــــــالم بـلا أميركـا
محمد علي حريصي-السفير
لم يحدث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ان وجد النظام السياسي الاميركي نفسه امام معضلة عسكرية مماثلة باتت تهدد دوره المركزي في صياغة النظام العالمي. خمس سنوات من الحروب على جبهات مختلفة، والمعارك المطولة مع «الارهاب»، انهكت أقوى جيوش العالم، واستنزفت معنوياته وكوادره المادية والبشرية، لتضع الامبراطورية العسكرية الاميركية امام احد اخطر تحدياتها.
لقد اوجد انهيار الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة امام فرصة غير مسبوقة لإحكام سيطرتها على السياسات العالمية. كان «النظام الاستراتيجي» الذي طرحه بول ولفويتز في العام 1992 بالمشاركة مع ديك تشيني وآخرين من امثال زلماي خليل زاد وريتشارد بيرل، مفتاح هذه الهيمنة السياسية: قيادة أحادية للعالم تمنع بروز أي قوة سياسية أو عسكرية منافسة، عبر طريق واحد، التوسع العسكري. أصبحت الولايات المتحدة تملك أكثر من 700 قاعدة عسكرية معلنة حول العالم. وانتشر مئات الآلاف من جنودها في كل زوايا الارض. خاضت الحروب في الخليج واوروبا وآسيا وافريقيا على مدى اعوام. وبعد هجمات 11 ايلول ,2001 صدر قرار غزو افغانستان والعراق ومحاربة «الارهاب»: جبهات ثلاث لم تخمد النار فيها، فككت الجيش، مزقته، واصبح معها مجرد التفكير بخوض حرب جديدة «مغامرة غير محسوبة».
وفي خضم الخسائر البشرية المرتفعة، والمادية الخيالية، وعجز الادارة الاميركية الحالية عن التحكم بمصير الحروب التي أشعلتها، أصبح الداخل الاميركي يتطلع الى الانتخابات الرئاسية الحالية، ورجل البيت الابيض الجديد الذي قد يحمل في جيبه مفتاح الحل: سحب القوات من العراق.. او التوافق مع الحلفاء على استراتيجية جديدة «اقل تصادمية» في الحرب على «الارهاب».. او حتى محاورة «الاعداء».
بعض الاميركيين اختار مساراً آخر للحل، قد يكون «ضرباً من الخيال»، الا انه يبقى مثيراً للاهتمام. ففي وثائقي حمل عنوان «العالم من دون الولايات المتحدة»، طرح الكاتبان ميتش اندرسون ونيل فرغسون نظرية غير مسبوقة: ماذا لو قرر الرئيس المقبل سحب القوات الاميركية من انحاء العالم؟ ماذا لو قررت الولايات المتحدة أن تصبح «دولاً عادية»؟ وما هي النتائج التي ستترتب على واشنطن.. وعلى العالم؟
الشرق الأوسط مركز التحولات
يقول كبير المحللين حول شؤون الشرق الأوسط في «مجموعة الأزمات الدولية»، معين رباني لـ«السفير»، ان تحول الولايات المتحدة الى «دولة عادية»، قد لا يخلف «نتائج سلبية مباشرة على العالم اذ ان هذا الفراغ سرعان ما ستملؤه قوى كبرى مثلما حدث مع الولايات المتحدة حين خلفت بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية». ويضيف «بكلمات اخرى، اعتقد ان القوانين ذاتها ستستمر، لكن بلاعبين مختلفين».
غير ان رباني يعتبر ان الولايات المتحدة قد تكون احد اكبر الخاسرين من هذا الانسحاب العسكري على صعيد السياسة الخارجية. ويشرح ذلك بالقول ان واشنطن «ستخسر قدرتها على املاء سياساتها على الدول الاخرى، على اعتبار ان هذا الانسحاب ستترتب عليه سيطرة اقتصادية اضعف وقوة تأثير اوهن»، وخاصة في الشرق الاوسط.
فمن القواعد الأميركية في قطر والبحرين، مروراً بالسعودية والكويت وسلطنة عمان والإمارات، ووصولاً إلى تركيا، أصبح الشرق الأوسط مركز انطلاق رئيسي للعمليات العسكرية الاميركية في العالم. وباتت المنطقة أشبه بسجن تحرسه البوارج وحاملات الطائرات والمقاتلات والآليات الاميركية، التي تمارس نفوذاً يتخطى العامل العسكري ليترجم على الارض بتأثير سياسي غير محدود.
وخلال الأعوام الثلاثة الاخيرة، تصاعدت حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصبحت تتمثل بصراع نفوذ اقليمي بين مشروعين، يغذيه العامل العسكري. ولعل الازمة اللبنانية احد اهم الامثلة على اهمية الدور العسكري في مساندة التأثير السياسي، ذلك عندما قررت الادارة الاميركية ان تزور بوارجها شواطئ لبنان «حماية لمصالحها» مما يطلق عليه البعض «المشروع الإيراني السوري».
ويرى رباني أن «انسحاب القوات الاميركية وتفكيك قواعدها في المنطقة، سيصبّ في مصلحة دول تحاول واشنطن تهميشها، وعلى رأسها ايران»، التي ستكتسب مساحة نفوذ اقليمي اكبر، فيما «ستخسر دول اخرى»، وعلى رأسها تلك المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر.
بدوره، يعتبر خبير الشؤون العسكرية الاميركية ونائب مدير الدراسات في «معهد الامن الاميركي الجديد» جيمس ميلر، ان الانسحاب العسكري الاميركي من العالم «سيضعف حلفاءنا ويقوي أعداءنا». غير انه يضع هذا التحول في خانة اكثر سلبية على الصعيد الدولي اذ يقول لـ«السفير»، ان «دولا معدودة حول العالم ستستفيد من اي انسحاب اميركي».
ويشير ميلر الى ان تفكيك القواعد الاميركية في انحاء العالم «سيكون بمثابة هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة»، على اعتبار ان نفوذها السياسي يستند الى حجم تواجدها العسكري على الارض. كما انه يرى ان تحول الولايات المتحدة الى «دولة عادية» «سيسمح لتنظيم القاعدة حول العالم والمنظمات المرتبطة به بالترويج لأفكاره بشكل اوسع».
رغم ان الانسحاب الاميركي يبقى أشبه «بحلم»، يتوافق رباني وميلر على انه لا يمكن أبداً ان يقرر اي رئيس اميركي مقبل سحب القوات الأميركية من أنحاء العالم وتفكيك قواعدها. لكن رباني يعتبر أنه «اذا نجح هذا المرشح الداعي الى تحول الولايات المتحدة لدولة عادية وإنهاء وضعها الامبريالي، فانه قد يوصف بالمجنون وينفى.. او يغتال».
عـــــــالم بـلا أميركـا
محمد علي حريصي-السفير
لم يحدث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ان وجد النظام السياسي الاميركي نفسه امام معضلة عسكرية مماثلة باتت تهدد دوره المركزي في صياغة النظام العالمي. خمس سنوات من الحروب على جبهات مختلفة، والمعارك المطولة مع «الارهاب»، انهكت أقوى جيوش العالم، واستنزفت معنوياته وكوادره المادية والبشرية، لتضع الامبراطورية العسكرية الاميركية امام احد اخطر تحدياتها.
لقد اوجد انهيار الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة امام فرصة غير مسبوقة لإحكام سيطرتها على السياسات العالمية. كان «النظام الاستراتيجي» الذي طرحه بول ولفويتز في العام 1992 بالمشاركة مع ديك تشيني وآخرين من امثال زلماي خليل زاد وريتشارد بيرل، مفتاح هذه الهيمنة السياسية: قيادة أحادية للعالم تمنع بروز أي قوة سياسية أو عسكرية منافسة، عبر طريق واحد، التوسع العسكري. أصبحت الولايات المتحدة تملك أكثر من 700 قاعدة عسكرية معلنة حول العالم. وانتشر مئات الآلاف من جنودها في كل زوايا الارض. خاضت الحروب في الخليج واوروبا وآسيا وافريقيا على مدى اعوام. وبعد هجمات 11 ايلول ,2001 صدر قرار غزو افغانستان والعراق ومحاربة «الارهاب»: جبهات ثلاث لم تخمد النار فيها، فككت الجيش، مزقته، واصبح معها مجرد التفكير بخوض حرب جديدة «مغامرة غير محسوبة».
وفي خضم الخسائر البشرية المرتفعة، والمادية الخيالية، وعجز الادارة الاميركية الحالية عن التحكم بمصير الحروب التي أشعلتها، أصبح الداخل الاميركي يتطلع الى الانتخابات الرئاسية الحالية، ورجل البيت الابيض الجديد الذي قد يحمل في جيبه مفتاح الحل: سحب القوات من العراق.. او التوافق مع الحلفاء على استراتيجية جديدة «اقل تصادمية» في الحرب على «الارهاب».. او حتى محاورة «الاعداء».
بعض الاميركيين اختار مساراً آخر للحل، قد يكون «ضرباً من الخيال»، الا انه يبقى مثيراً للاهتمام. ففي وثائقي حمل عنوان «العالم من دون الولايات المتحدة»، طرح الكاتبان ميتش اندرسون ونيل فرغسون نظرية غير مسبوقة: ماذا لو قرر الرئيس المقبل سحب القوات الاميركية من انحاء العالم؟ ماذا لو قررت الولايات المتحدة أن تصبح «دولاً عادية»؟ وما هي النتائج التي ستترتب على واشنطن.. وعلى العالم؟
الشرق الأوسط مركز التحولات
يقول كبير المحللين حول شؤون الشرق الأوسط في «مجموعة الأزمات الدولية»، معين رباني لـ«السفير»، ان تحول الولايات المتحدة الى «دولة عادية»، قد لا يخلف «نتائج سلبية مباشرة على العالم اذ ان هذا الفراغ سرعان ما ستملؤه قوى كبرى مثلما حدث مع الولايات المتحدة حين خلفت بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية». ويضيف «بكلمات اخرى، اعتقد ان القوانين ذاتها ستستمر، لكن بلاعبين مختلفين».
غير ان رباني يعتبر ان الولايات المتحدة قد تكون احد اكبر الخاسرين من هذا الانسحاب العسكري على صعيد السياسة الخارجية. ويشرح ذلك بالقول ان واشنطن «ستخسر قدرتها على املاء سياساتها على الدول الاخرى، على اعتبار ان هذا الانسحاب ستترتب عليه سيطرة اقتصادية اضعف وقوة تأثير اوهن»، وخاصة في الشرق الاوسط.
فمن القواعد الأميركية في قطر والبحرين، مروراً بالسعودية والكويت وسلطنة عمان والإمارات، ووصولاً إلى تركيا، أصبح الشرق الأوسط مركز انطلاق رئيسي للعمليات العسكرية الاميركية في العالم. وباتت المنطقة أشبه بسجن تحرسه البوارج وحاملات الطائرات والمقاتلات والآليات الاميركية، التي تمارس نفوذاً يتخطى العامل العسكري ليترجم على الارض بتأثير سياسي غير محدود.
وخلال الأعوام الثلاثة الاخيرة، تصاعدت حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصبحت تتمثل بصراع نفوذ اقليمي بين مشروعين، يغذيه العامل العسكري. ولعل الازمة اللبنانية احد اهم الامثلة على اهمية الدور العسكري في مساندة التأثير السياسي، ذلك عندما قررت الادارة الاميركية ان تزور بوارجها شواطئ لبنان «حماية لمصالحها» مما يطلق عليه البعض «المشروع الإيراني السوري».
ويرى رباني أن «انسحاب القوات الاميركية وتفكيك قواعدها في المنطقة، سيصبّ في مصلحة دول تحاول واشنطن تهميشها، وعلى رأسها ايران»، التي ستكتسب مساحة نفوذ اقليمي اكبر، فيما «ستخسر دول اخرى»، وعلى رأسها تلك المتحالفة مع الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر.
بدوره، يعتبر خبير الشؤون العسكرية الاميركية ونائب مدير الدراسات في «معهد الامن الاميركي الجديد» جيمس ميلر، ان الانسحاب العسكري الاميركي من العالم «سيضعف حلفاءنا ويقوي أعداءنا». غير انه يضع هذا التحول في خانة اكثر سلبية على الصعيد الدولي اذ يقول لـ«السفير»، ان «دولا معدودة حول العالم ستستفيد من اي انسحاب اميركي».
ويشير ميلر الى ان تفكيك القواعد الاميركية في انحاء العالم «سيكون بمثابة هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة»، على اعتبار ان نفوذها السياسي يستند الى حجم تواجدها العسكري على الارض. كما انه يرى ان تحول الولايات المتحدة الى «دولة عادية» «سيسمح لتنظيم القاعدة حول العالم والمنظمات المرتبطة به بالترويج لأفكاره بشكل اوسع».
رغم ان الانسحاب الاميركي يبقى أشبه «بحلم»، يتوافق رباني وميلر على انه لا يمكن أبداً ان يقرر اي رئيس اميركي مقبل سحب القوات الأميركية من أنحاء العالم وتفكيك قواعدها. لكن رباني يعتبر أنه «اذا نجح هذا المرشح الداعي الى تحول الولايات المتحدة لدولة عادية وإنهاء وضعها الامبريالي، فانه قد يوصف بالمجنون وينفى.. او يغتال».