المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة في الموقع الأساسي مع الصور : حرب التحرير 1989-3-14


Sawtak Archive
22-02-2007, 09:19 AM
الكاتب : el-meghwar
التاريخ : 14 نيسان 2006


حرب التحرير 1989


من يقرأ التاريخ اللبناني ويقلب صفحاته تستوقفه محطات هامة حفرت في ذاكرة اللبنانيين ونقشتها مجداً وعنفواناً ، فأعطتهم إدراكا واندفاعاً ، وجعلت منهم أداة جبارة هدفها فخر لبنان "وعزة بنيه".

الرابع عشر من آذار ، إحدى أهم التواريخ التي كللت الجبين اللبناني بإكليل الغار من مجد وفخرة ، وشرفت من يأبى أن يعيش قي غياهب العبودية...
تاريخ حفر في قلب وضمير وذاكرة كلّ لبناني تحدى الخوف وتمرد على الظلم...

في هذا اليوم دوى صوت اللبنانيين الذين سحقتهم الحرب التي شنها عليهم أعداء لبنان الداخليون والخارجيون ، مطلقين صرخة الحق ، مجسدين صدى الحقيقة ،وإرادة وطن يريد أن يكون حرا سيدا مستقلا...
مذ ستة عشر عاما، وتحديداً في الرابع عشر من آذار عام الفٍ وتسعمائة وتسعوثمانين، انطلق قطار التحرير بانتفاضة على واقع مرير...

حرب كانت بمثابة خيار لا بد منه للأحرار الذين لا يرضون ولا يعرفون منطق الذل والإذلال والارتهان... خيار من أجل تحرير القرار اللبناني وتمثيل الإرادة اللبنانية برئيس "صنع في لبنان" ووضع حد لكرة النار التي رماها أصحاب المؤامرات لتقضي على معاقل الوطنية في لبنان...

الرابع عشر من آذار عام الفٍ وتسعمائة وتسع وثمانين ، تاريخ شاهد على عظمة الشعب اللبناني يوم تمرد على الظلم والاحتلال مطالبا بحقه بالسيادة والاستقلال، ضاربا عرض الحائط كل الاتفاقيات ، واقفا بوجه المحتل السوري ، فاضحا مخططاتهم ، ناقدا مجازرهم...فانطلقت مسيرة التحرير، رافعة شعارات أصبحت رمزا لكل وطنيّ غاضب ثائر متمرد على الطغيان... لتغدو أرضية متينة لانتفاضة الاستقلال التي أكملت بمضمونها وهدفها ما بدأه "البرتقاليون" ومواكبتهم في حمل شعلة الحرية ...

تحول الرابع عشر من آذار إلى اليوم الأبرز من أيام تاريخنا الحديث، وموعد سنوي لصرخة نابعة من أعماق المواطن اللبناني في وجه المحتل، والخطاب السياسي المزيّف والملوث، والذهنية التي تعيش في سلفية خارج التاريخ...موعد سنوي لطلاب وشباب لبنان للتظاهر، وإحياء ذكرى أعطت الشعب اللبناني قلباُ نابضاُ بالحرية والحياة، بعد أن أوشك على التوقف عن الخفقان، فكانوا النموذج الراقي في الصلابة والتصميم... والتحدي والمواجهة.

على مدى أربعة عشر عاماُ،أحيا التيار الوطني الحر هذه الذكرى متصدياُ لخراطيم وقمع مَن قض مضاجعهم الخوف من الأحرار، لتأتي الذكرى الخامسة عشر بأبهى صورها ، خطت ريشتها الوحدة الوطنية بألوان العلم اللبناني، أعادتنا بالذاكرة إلى قصر الشعب يوم تآخى الصليب و الهلال لأول مرة في وجه الظلم والاحتلال.

تحقق العهد والقسم ولا زال مستمرا وفجر الأمل بالحرية الذي بزغ في الرابع عشر منآذار عام الفٍ وتسعمائة وتسع وثمانين ما كان ليتحقق لولا الانتفاضة السنوية التي أشرقت من جبين شباب لبنان.

الرابع عشر من آذار عام الفٍ وتسعمائة وتسع وثمانين ،كان بمثابة دواء مضاد لشفاء الجسد المتلوث بالأجرام البعثي السلفي ، استطاع على مدى عقد ونيف من فعل مفعوله وفرض تأثيره في الدم اللبنانيّ.

تعود الذكرى السادسة عشر والأرض محررة ... والمسيرة لا زالت مستمرة بعنوان "التحرر" ليصبح الجسم اللبناني معافى كلياُ من كلّ من يهدد وجوده وكيانه...

حرب التحرير
تتسم حروب التحرير قديما وحديثا بقدسية كبيرة وإيمان مطلق إذ أنها تمثل نضال الإنسان في أشرف دافع وأنبل صورة وأنها منذ فجر التأريخ والى يومنا هذا كانت حقا مشروعا، تناضل من أجله جميع الشعوب لاستعادة أرضها وحقوقها... وتتميز هذه الحروب عن غيرها ذات الدوافع والأهداف الأخرى كون الأولى تستمد قوتها وإرادتها من إيمان شعوبها في رفض كل أشكال السيطرة والتبعية الأجنبية علي أرضها...وكثيرا ما تزخر الأحداث التاريخية بذكر الوقائع والحروب التي اختلفت أسبابها ودوافعها، إلا أن غالبية تلك الحروب أوّل أسبابها الغزو واجتياح دولة لأخرى ومن ثم الاستيلاء عليها وإخضاعها لسيطرتها عن طريق القوة فتعيث في الأرض فسادا..

الشعوب المضطهدة والرازحة تحت السيطرة الأجنبية تخوض حروبها المقدسة إيمانا منها باستعادة حريتها ورفضها للغازي الأجنبي علي أرضها، وان تلك الحروب تعد من اشرف وأنبل أشكال النضال ضد قوى الشر والاستبداد منذ القدم...

الرابع عشر من آذار 1989 شكلّ نقلة نوعية جديدة ومأثرة تاريخية كانت الأولى من نوعها في التاريخ اللبناني المعاصر، والحديث عنها لا يهدف بالعودة إلى الماضي والتقوقع فيه.. وإنما قراءة تاريخ من ماض كان عنوانا للنضال والتحرر من الذل والظلم والخوف جمعت الشعب على ثوابت واضحة وذي لون وطني فقط ...تاريخ نستخلص منه العبر في أن لبنان ليس بمزرعة خاضعة للمساومات والسمسرة وإنما وطن قوي ثمنه استشهاد وتضحيات...

في الرابع عشر من آذار منذ ستة عشر عاماُ ، كثف السوريون القصف على المرافئ والأحياء السكنية وشددوا الحصار العسكري على المنطقة الحرة الخاضعة آنذاك للسلطة الانتقالية بقيادة الرئيس ميشال عون ...استفحل الاحتلال بهمجيته فقرر رئيس مجلس الوزراء آنذاك الرد معلنا (حرب التحرير) لدرء المؤامرة الخبيثة على لبنان.

أتى قرار الرئيس كنتيجة وخيار مفروض لإسكات نار المحتل، ولم تكن خطة موضوعة مبرمجة أو آلية لمشروع معين بل كانت مسارا لإنقاذ السيادة، والحرية، والإرادة اللبنانية من مخطط تحويل الوطن مسرحا للإرهاب والترهيب..
عند استلام دولة الرئيس ميشال عون في العام 88 مقاليد السلطة الانتقالية ، قاد حرب التحرير الغير عسكرية ، من خلال عدد من المحاولات الصادقة والحثيثة ، بذلها لاسترجاع جزء من هيبة الدولة يساعده على خلق مناخ مؤات لانتخابات رئيس للجمهورية اللبنانية بشكل يعبر عن الإرادة اللبنانية ويساهم في تصحيح المسار السياسي الداخلي...

فقرر:
- إقفال جميع المرافئ الغير شرعية والتحذير من العمل فيها.
- تسلم الدولة كل المرافئ الشرعية وضبط وارداتها لصالح الخزينة اللبنانية بواسطةمديرية الجمارك .
- ضبط الملاحة وتنظيمها ومراقبتها في المياه الإقليمية اللبنانية.

قوبلت هذه التدابير بالرفض المطلق من قبل الاحتلال وأعوانه الذي بدأ بتحريك الوضع العسكري على الأرض...فأوعز السوريون الذين لم يعجبهم ما اتخذته الحكومة الشرعية من تدابير ، وما حققته من انجازات ، إلى أزلامهم للبدء بالعرقلة . وفيالسابع من آذار 1989 ُبدئ بتنفيذ الخطة المناهضة للشرعية...أقفلوا المرافئ و تعرضوا لآليات الجيش اللبناني، اشتد القصف على مرفأ بيروت مما اضطر مجلس الوزراء إلى إقفاله وإغلاق مطار بيروت الدولي بوجه الملاحة الجوية....وفي كل هذه الفترة الممتدة من 7 آذار إلى 14 منه لم يرد الجيش اللبناني على مصادر النيران ومرابض المدفعية إلا دفاعا عن النفس .

بعد ذلك انفجر الوضع على جبهة سوق الغرب ، وطاول القصف كل المناطق الشرقية ...عندها قرر العماد عون الرد على الجيش السوري معلناً "حرب التحرير"...

لمحة مقتضبة للأجواء التي فرضت واقعا رفضه القائد والشعب الذي تكوكب حوله ، ونبذ منطق الاستفزاز والهمجية فأقدم على خطوة اعتبرها البعض حربا تدميرية بدون أفق وأهداف ...في الوقت الذي كانت نتائجها ايجابية على أكثر من صعيد ،لعل أهمها أنها وضعت الأزمة في نصابها الصحيح، مثبتة أن حربنا لم تكن أهلية وإنما سوريا –لبنانية (أُدخلت فيها بعض الأطراف اللبنانية )...

لقد أظهرت هذه" الحرب" أمورا حاول أعداء لبنان القضاء عليها وإبرازها على عكس واقعها ، ك:

1- الوحدة الوطنية: لأول مرة بعد سنين الحرب الضارية يشهد لبنان التفاف شعبي حول قرار تحرير لبنان من الاحتلال والمواطن من الارتهان... فاتحد الشعب اللبناني متخطياً الموانع الطائفية ، مندداً بسياسة الارتهان والاستزلام ، منادياً ببناء وطن عظيم ودولة كفوءة ،نظيفة وعادلة...زاحفاً بجسده إلى (قصر الشعب)، ملتحفاً بالعلم اللبناني...انتظم في حركات وتجمعات ونواد، مسّيراً التظاهرات موزعاً بيانات التأييد للبنان القوي...بحيث لم يشهد لبنان بتاريخه مثل تلك الهبة الشعبية لدعم قرارات الدولة...

2-التلاحم بين الجيش والشعب : إبان حرب التحرير تكوكب الشعب حول قائده وجيشه مما شكل مثلثا متماسكاً "قائد جيش شعب" من أجل التحرير والتوحيد والتحرر... فتحول الجيش إلى شعب والشعب إلى جيش...إذ تجند الشبان والشبات "وتطوعوا لمساعدة "سياج الوطن" في كل الميادين من المدفعية إلى التحصين إلى القتال حتى إلى لف السندويشات "...
لقد أفرزت حرب التحرير تلاحماً عفوياً طبيعياً بين الجيش والشعب بشكل لا يجوز التغافل عنه ، فتربت أجيال لبنان الجديد ، خصوصا أنصار التيار الوطني الحر، على حب الجيش واحترامه والوثوق به ..

-3المؤسسة العسكرية : أثبت الجيش اللبناني ، في هذه الفترة، على أرض الواقع مقولة " الجيش سياج الوطن " بحيث أظهر وحدة وطنية تعززت وتعمدت بالدم ،بعد أن كان على مدى 15 عاماً مشرذما ،مفككاً، مصبوغاً بألوان طائفية ... جاءت حرب التحرير وخلقت وحدة عملانية وجدانية ، محققة لحمة وطنية تساقطت أمامها الفوارق الطائفية ليخوض المسلم والمسيحي غمار الدفاع عن كرامة لبنان ...ويثبت للجميع أنه درع الوطن وحامي المواطنين ، فكان باسلاً في مواجهة المحتل حيث أن مئات " الضباط والعسكريين تركوا عيالهم من مختلف بقاع الدولة اللبنانية وانتقلوا سيراً على الإقدام في الأحراش والبراري وانضموا إلى رفاقهم على الجبهات.."... لقد عكست هذه الحرب قدرة الجيش اللبناني الرهيبة رغم تواضع امكانياته ، وشجاعة جنوده وكفاءتهم... لدرجة أن الجيش السوري عجز على اختراق أي جبهة يمسك بها الجيش الوطني جيداً، والدليل الشهير "معركة سوق الغرب " في 13 آب 1989 " التي " اهتزت فهزت لبنان والعالم". كما أن المواقع السورية كانت تتعرض للقصف الدقيق في عمق مواقعها مما اظهر قدرة الجيش اللبناني العلمية والمعرفية الدقيقة ناهيك عن القدرة المعنوية التي نتجت عن تلاحم الثالوث الأقدس (قائد-جيش-شعب).

حرب التحرير وتداعياتها ودورها في تحرير لبنان .

يرى البعض أن حرب التحرير كانت بمثابة حربا انتحارية خالية من الهدف والمضمون والنتائج، كونها لم تنجح بتحرير شبر من الأرض. لكن هؤلاء نسيوا أن حروب التحرير لا تعني فقط إنقاذ الأرض من جزمة المحتل بقدر ما هي مسار ودينامية "عسكرية سياسية دبلوماسية إعلامية هدفها الوصول إلى تحرير الأرض ."

لقد اضطر العماد عون إلى استخدام الوسيلة العسكرية لدرء خطر الاحتلال وفوهات مدافعه عن الأبرياء ،وعندما فشل استمر في حربه معتمداً أسلوبا مغايراً هو أسلوب اللاعنف "كسياسة شكلت امتداداً للحرب بوسائل أخرى.." على حد قول الخبير العسكري العالمي "كلاوس فيتز".

ساهمت حرب التحرير في تثبيت مقاومة اللبنانيين للاحتلال، وأعطت زخماً للشباب اللبناني ليكمل حربه التحريرية بأسلحة اشد فتكا من المدافع والدبابات والطائرات... بالقلم والكلمة.

فالتحرك السلمي الذي اخذ أسسه من التنظيمات الشبابية آنذاك ، والحركات الناشطة في الجامعات والمعاهد التي رفعت شعار "حرب التحرير )، ونشاط شباب لبنان الذي ارتكز على قيمها ومبادئها ... هي التي غيرت الواقع الرديء وفتحت عيون النائمين ووسعت دائرة التحرك لتشمل سائر القطاعات الأهلية والمجتمع المدني.

من هنا ، يخطئ من يظن أن حرب التحرير كانت لفترة زمنية قصيرة اقتصرت على أشهر من العام 1989 ، بل أنها استمرت خمسة عشر عاما ،انتهت في السادس والعشرين من شهر نيسان عام 2005 بخروج أخر جندي سوري من ارض لبنان ،معلنة بذلك انتصار الأحرار بتحقيق الهدف .

ساهمت حرب التحرير في تثبيت مقاومة اللبنانيين للاحتلال ، وأعطت زخماً للشباب اللبناني ليكمل المسيرة مشكلا التيار السيادي الذي يفخر التيار الوطني الحر أن يكون من طلائعه .

لقد بدأت حرب التحرير في الرابع عشر من العام1989 بمعركة تحريرية، ولم تتوقف على مدى 15 عاما تخللتها معارك ضارية ما بين المواطنين والاحتلال وأقزامه في الرابع عشر من كل ّ عام دون أن ننسى تواريخ أخرى شرفت التاريخ اللبناني.. اعتبرها البعض معارك فاشلة ... لكنها قضت مضاجعهم وكانت سببا في انكسارهم...

استطاع الشعب اللبناني على مدى 15 عاما من الصمود ومقاومة المحتل...

14 آذار 1989 أولى محطات القرار الوطني الحر،انطلق منها قطار التحرير ...ليتوقف في محطات بطولية مع شباب حملوا مشعل الحرية : قاوموا... ناضلوا.. تظاهروا...صرخوا...عبروا...واجهوا...رفضوا...طالبوا. .. ُضربوا ...أهينوا...سُجنوا...صمدوا...سلموا...حرروا...ووصلو ا في السادس والعشرين من نيسان 2005 ...إلى الهدف "تحرير لبنان ".

في الذكرى السادسة عشر لحرب التحرير ، يجب أن تترسخ في أذهاننا حقيقة ساطعة : إن لبنان في 14 آذار 1989،أطلق صرخة حقه بالوجود ...زرع بذور الحرية التي روتها" دماء الشهداء وعرق الأبطال ودموع الأمهات واليتامى.." ، فأنبتت أرضنا الطاهرة سيادة واستقلالا...

www.lubnan-alkawi.com