في الأيام الأخيرة قرأت بعض الردود تنكر وجود الله وتحتج على ذلك بأن الكنعانيين كانوا يعبدون إلهاً إسمه إيل.
طبعاً الغرض هو أن يثبتوا بأن الأديان ليست سماويّة، وأن أصل البشرية هو الإلحاد ثم جاء النبي موسى (ع) وبعده عيسى (ع) ومحمد (ص) ووضعوا الأديان... يعني القصد هو أن هؤلاء إدعوا النبوّة لله.. الخالق الغير موجود..!
يقولون بأن إيل إله الكنعانيين هو نفسه الله ثم حُرِّفت إلى الله لأن لفظة إيل صعبة على اللسان العربي..!!!
ولكن أين الدليل؟!!
بالمبدأ، القول بأن هذه الكلمة جاءت من هذه اللغة فيه مجازفة، لأنك بحاجة إلى دليل عليها. وتشابه اللفظتين لا تكفي للحكم بذلك، خاصةً في اللغات التي تنتمي إلى أسرة واحدة، أي تنتمي للغة أم واحدة أي أصل مشترك واحد، فاللغة أم هنا هي الساميّة.
قرر الشباب بأن إيل مأخوذة من الكنعانيين.. أي السوريين الوثنيين القدماء..
طيب، لماذا لا تكون لفظة إيل موجودة في اللغة الأم التي ورثتها اللغات السورية القديمة والعبرانية؟ ويقولون بأن الله العربية مأخوذة عن إيل العبريّة.. طيب السؤال، لماذا لا تكون (الله) هي هكذا في اللغة السامية الأم، أم العربيّة والعبريّة وأم اللغات السوريّة القديمة، ثم جرى عليها ما جرى في هذه اللغات وبقيت على أصلها في العربية، التي إحتفظت بكثير من الظواهر اللغويّة التي إختفت عند أخواتها الساميات؟
أنا هنا لا أفضّل اللغة العربيّة عن باقي اللغات، بالرغم من ان أكثريّة المستشرقين يفضلونها ويعتبرونها ممثّل نموذجي للّغة الأم التي أنتجتها..وأنتجت العبريّة واللغات السوريّة القديمة وغيرها من اللغات. ولكن أقول: انه لو كان في تفضيل فهو للّغة العربيّة لعدّة أسباب.. من أهمها أن موقع الجزيرة العربيّة المنزوي، كان من الطبيعي أن تحتفظ بسمات اللغة الأم كما هي أكثر من أخواتها الأخرة كالعبريّة وغيرها..
سأنقل لكم ما قرره علماء ذلك الشأن.. ففي كتاب "تاريخ الله" لجورجي كنعان ( وهو ملحد على فكرة) يقرر هذه المسألة في كتابه هذا بأبلغ تقرير.. وكلامه هنا لا نورده كحجّة مطلقة، فهي لا تلزمنا ولا ورن لها عندنا، ولكنها من باب إلزام المخالف بأقوال من يقلدهم لا أكثر..!
يقول جورجي كنعان : ( ومن الثابت ايضاً ، ان الصحراء العربية كانت نقطة الأنطلاق لموجات بشرية عديدة . فالأكاديون والأشوريون والأموريون والكنعانيون الذين ظهروا مع بداية التاريخ المدون ( الألف الثالثة ق.م.) مستوطنين في أقاليم سوريا الطبيعية ، كانوا قد نزحوا من الصحراء العربية في فترات تسبق التاريخ المدون).
فجورجي كنعان يقرر هنا بأن الصحراء العربيّة هي الأصل، هذا يعني أن اللغة التي بقيت مستوطنة في الصحراء هي التي تحتفظ بسمات اللغة الأم.. أو بأكثرها.. وأن تلك اللغات الأخرى تكوّنت بعد الهجرة.. فتغيّرت بها الصفات الوراثيّة بالتهجين وخلافه..
يقول جورجي كنعان : ( والواقع أن علماء اللغة يجنون بغالبيتهم الى الإعتقاد بوجود لغة أم ، تعددت لهجاتها أو ألسنتها إثر انتشارها الجغرافي الواسع ، وخضوعها لمؤثرات إقليميّة مختلفة ، وأن هذه اللغة الأم هي لغة الصحراء العربيّة القديمة ، التي تحدّرت منها تلك اللهجات أو الألسن ، إثر موجات الهجرة المتعاقبة باتجاه الشمال ـ حوض النهرين ، والشمال الغربى ـ سوريا الوسطى والغربية حتى شواطئ المتوسط الشرقية ) .
ثم يتطرق جورجي إلى تقرير ما أثبته علماء ذلك الشأن ، من رجوع العربيّة والعبريّة والكنعانيّة والآراميّة وغيرها إلى أصل مشترك واحد ، فينقل جورجي عنهم ما يلي:
( والواقع أن بين ألسن هذه الشعوب من التشابه في الأصوات والصيغ والتراكيب والمفردات ، ما لا يمكن معه أن تنسب تقاربها إلى حدوث إقتباسات فيما بينها في العصور التاريخيّة . ولا سبيل إلى تفسير هذا التقارب إلا بافتراض أصل مشترك لها ، وأن المقارنة بين الألسن : الأكادي ( البابلي ـ الأشوري ) والكنعاني والآرامي والعربي ، تقدم الدليل الساطع على أن هذه الألسن تفرعت عن لغة واحدة ، تكلم بها شعب واحد قبل أن يتفرق في مناطق مختلفة ..
( وقد أدرك الخليل بن أحمد هذه الحقيقة في وقت مبكر من العهد الإسلامي ، فقال فى كتابه (العين) : ( وكان الكنعانيون يتكلمون بلغةٍ تضارع العربيّة )..
يقول المستشرق إسرائيل ولفنسون : ( ليس أمامنا كتلة من الأمم ترتبط لغاتها بعضها ببعض كالارتباط الذي كان بين اللغات السامية ) . كان الأولى به [وما زال الكلام لجورجي] أن يقول (الشعوب) وليس (الأمم) ؛ لأن الشعوب البابليّة والكنعانيّة والأموريّة والآراميّة والعربيّة تؤلف أمة واحدة وليس أمماً، وأن يقول (الألسن) وليس (اللغات) ..
...
فالذي يزعم أن (ايل) لم تعرفها يهود حتى انتقلت إليها من أختها لا بد له من دليل ، لأن مطلق التشابه أو التطابق لا يكفي ، والأولى ـ عند إنعدام الدليل ـ إعتبار اللفظة ملكية خاصة لأم العبرية وباقي أخواتها .
وكذلك الذى يزعم أن (الله) لم تعرفها العرب حتى نقلت إليهم من لغة أخرى عليه الإتيان بالدليل ، ولا دليل على ذلك ولو نبشتوا الأرض بحوافرهم ، والأولى ـ علمياً ـ اعتبار اللفظة (الله) كانت للغة الأم : أم العربية والعبرية وأخواتها ، ثم بقيت على حالها فى ابنتها النابهة العربية ، وحدث لها التحور فى أخواتها الأخريات من عبرية وغيرها .. أو اعتبار اللفظة (ايل) ملكاً للغة الأم ، ثم ورثتها بناتها كما هي ، فتطورت إلى (الله) في العربية ، ولم تتطور فى باقي الأخوات ، أو تطورت مثلاً إلى (إلوه) في العبرية .. أو اعتبار اللفظة (إيل) واللفظة (الله) كانتا في الأم ، ثم ورثتها بناتها ، إما اللفظتين معاً أو إحداهما فقط ..
والعربية كانت تعرف (إيل) .. فعندما زعم مسيلمة الكذاب قرآناً يوحى إليه ، أراد أبو بكر الاطلاع عليه ، فلمّا سمع بعضه ، تعجّب وقال إن هذا لا يخرج من إيل. أي إن هذا لا يصدر عن إله.
فإذا كانت العربيّة تقول (الله) والعبريّة تقول (إيل) فأيها الأصل وأيها المحوّر ؟
الدليل مطلوب هنا ،والزعم أن العبرية هي الأصل والعربية تبع ، والذي أوقعهم في هذا الغلط ، هو الأسبقية التاريخية للتوراة العبريّة على القرآن العربي ، فخلطوا بين أقدميّة النصوص وأقدمية اللغات ..
أما بخصوص أسماء أعلام كإسماعيل وإسرائيل وجبرائيل فمن البديهي أن أسماء الأعلام هي مجرد إشارات إلى أشخاص وقد كان يشار إليهم بتلك الاسماء في لغتهم وعندما نقلتها العرب إلى لغتها إما جاءت متطابقة أو قريبة من نطقهم كيوسف ويعقوب وهارون وموسى ولا علاقة لذلك لا بالوثنية ولا بالتوراة وهل استعماللنا هذه الأيام ألفاظ كشارون ونتنياهو تعنى أننا متأثرون بالتوراة أو وثنيون ؟!!
الله تعالى قال :
يوسف (آية:2): إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون
الزخرف (آية:3): إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون
أي باللغة التي تفهمونها لعلكم تعقلون. ولم يقل (إنا أنزلناها لغة عربية) فكيف سيعقلونها؟






رد مع اقتباس










share