1. هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز ). من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. تعرف على المزيد.

مقالات جهاد بزي

الموضوع في 'الصحافة والأرشيف' بواسطة Sawtak Archive, بتاريخ ‏19 آب 2006.

  1. #1 Sawtak Archive, ‏19 آب 2006
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏14 تموز 2008
    Sawtak Archive

    Sawtak Archive
    Expand Collapse
    New Member

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    1,606
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    البريء تماماً


    نقلها abouhmeid بتاريخ : 2005/07/27


    مهلاً،
    هو بريء تماماً من كل ما نسب إليه. بريء من الحرب وبريء من الاغتيالات. بريء من ميليشيا حكمت بالحديد والنار كما غيرها. بريء من دولة كانت في قلب أشلاء دولة، كما غيرها. بريء تماماً لأنه لم يفعل أكثر مما فعل غيره. قام بالمطلوب منه في زمن كان كل رأس يقوم بالمطلوب منه. يقوم بالحرب، وبأشياء أخرى. لذا، فإن من حقه أن يكون بريئاً مما آل إليه لبنان كما أكثرية الضالعين بما آل إليه لبنان. بريء ومظلوم لأن <<العدل>> نظر فيه وحده وغض النظر عن معظم الباقين.
    هو بريء بهذا المعنى وسنواته في السجن كانت ظلماً. لكن ليتمهل علينا. هو ليس بطلاً. هو مجرد رأس لطائفة برؤوس كثيرة، تماماً كما شقيقاتها الطوائف ورؤوسها. هو مجرد أمير من أمراء الحرب خسر معظم معاركه في الحرب وفي السلام. هو لا يختلف عن البقية بشيء. ميزته الوحيدة أن الزمن توقف عند صورته بالبزة العسكرية مخّرجا طلاب <<حربيته>> بينما وضع أعداؤه وأصدقاؤه قناعاً مدنياً طوال سنوات حرب ما بعد الطائف الباردة. ليتمهل علينا قليلاً. هو يعرف إلى أين خرج. هو يعرف تماما من يكون. هو ليس قديساً.

    ثمة جرأة لا تصدق في هذا البلد. هذا رجل خارج من السجن، يقف ليقول <<أيها اللبنانيون>>. هل مر على طريق صيدا القديمة في رحلته إلى المطار؟ ثمة ملالات ترابض ليل نهار عند خط تماس الشياح عين الرمانة. <<اللبنانيون>> الذين يتوجه إليهم في خطابه <<التاريخي>> تقاتلوا يوم أصدر المجلس النيابي العفو عنه. <<اللبنانيون>> الذين توجه إليهم لا ينتمون إلى كلمة <<اللبنانيين>> نفسها. نحن ننتمي إلى مجموعات متفرقة من <<اللبنانيين>>. وهو، إذ يبدأ خطابه بالتوجه إلينا عامة من دون تحديد أي <<لبنانيين>> يقصد، فإنه لا يضعنا في مأزق صعب: هو، يتوجه إلى <<لبنانيي>> القوات اللبنانية وشعارها الصليب. لا يحق له بعوني واحد إضافة إلى هؤلاء. لا يحق له بشيعي لبناني إضافي. بسني لبناني إضافي. بعلماني لبناني إضافي. هو بريء لكنه ليس قديساً.

    لا يحق له بالتوجه إلى <<اللبنانيين>> جميعهم، هكذا، كما لو أنه فعلاً يقصدنا جميعاً. كما لو أننا فعلاً نعتبر أنه يقصدنا جميعاً. كما لو أنه بريء تماماً من هذه المجاملة التي لا يقبلها عقل أحد من <<اللبنانيين>>.

    <<ما زال كما هو>>. عبارة رُددت بفرح أبله في الأيام الماضية. هل من المفترض بنا أن نفرح لأنه ما زال كما هو؟ ألم يكن يفترض به ان يتغير ولو قليلاً؟ بعد 11 سنة وأربعة أشهر وكم يوم، وبعد السطر الرابع من خطابه تذكر الجناحين اللذين لا يقوم لبنان إلا بهما <<فصمموا (المجهولين كافة) على كسر أحدهما واقتلاعه من أساسه إذا اقتضى الأمر>>.

    لم يسمّ الجناح بالإسم، ولم يعرف <<اللبنانيون>> عن أي جناح يتكلم، لأن تيار القوات اللبنانية لطالما كان لبنانياً علمانياً غير طائفي، ولأن القضية التي نشأ عليها شبانه وشاباته لم تكن قضية الوجود المسيحي، ولأن الأجنحة المرفرفة في سمائنا لا يبلغ عددها 18 جناحاً تجعل من هذا الطائر الفينيق وحشاً بأجنحة كثيرة ستلصقه بأرض أمراضه إلى الأبد ولن تدفعه إلى التحليق يوماً صوب اي سماء مرتجاة. على البريء تماماً أن يخاطب حصته من جناحه فحسب، لا أن يوهمنا بأنه يخاطب الطير الملعون كله.

    لقد عفا الله عما مضى مرة من جديد، وهذا لا يبشر بالخير. فمن عادتنا، كلما عفا الله علينا أن نبدأ بإغضابه. لقد بدأ البريء تماماً خطابه باللازمة المشؤومة نفسها التي تبدأ بها معظم الخطابات السيئة من أعلاها نزولا: <<أيها اللبنانيون>>.

    ولقد انتهى باللازمة نفسها: <<عشتم وعاش لبنان>>.

    لقد طويت صفحة سيئة من تاريخ لبنان. الآن اكتمل النصاب. سنفتح صفحة جديدة. وستكون، كما بتنا نعرف، أسوأ من الصفحة التي طويت.

    الردود:
    Rima
    Abo hadi
    ASAAD
    Miss Lebanon
     
  2. #2 Sawtak Archive, ‏21 آب 2006
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏14 تموز 2008
    Sawtak Archive

    Sawtak Archive
    Expand Collapse
    New Member

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    1,606
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    في الانتظار

    فــــي الانتظــــــار
    نقلها abouhmeid بتاريخ: 2005-09-08


    كل هذا التعب.

    إلى متى ستظل بيروت صالحة لمثل هذه الطريقة من العيش؟
    صوت سيارة الإسعاف عند الرابعة صباحا يؤرقني. لا بد أن ثمة خبراً ينتظرني لأستيقظ عليه. لا بد أنه انفجار جديد. أو أنها مداهمات جديدة. أو مفاجأة هائلة لم يحسب أحد حسابها. ماذا ينتظرنا هذا الصباح؟ أي خبر مشؤوم؟ أي خبر؟

    منذ الرابع عشر من شباط ونحن نعيش يوما واحدا متكررا. فقدنا متعة الإثارة. أصبحنا سجناءها وصارت وباء جماعيا. أمضينا أعواما كثيرة من دون خبر محلي مثير. أصبنا بالبلادة. صارت الأخبار تأتينا من الخارج وصرنا نتفرج على الخبر ونستغربه كأنه لم يكن عندنا مثله يوما. عشنا سلاما ما، وإن كان كاذبا. لكننا خسرنا سلامنا.
    فجأة انهالت علينا كل الأخبار، أخبارنا. لم يعد لدينا القدرة على استيعابها. لم نعد قادرين على مجاراتها. لم نعد نحتمل سرعتها.

    حكايات الحرب كثيرة. قيل إن اللبنانيين يومها أدمنوا الأدوية المعالجة للأعصاب. مساكين لبنانيو الحرب. كان الواحد منهم حين يخرج إلى عمله يفكر أن عودته إلى بيته حيا مجرد احتمال. مساكين لبنانيو الحرب. كان الواحد منهم يحمل عائلته على كتفه ويهرب بها بعيدا. وحين تقف النار قليلا يركض إلى بيته ليتفقده فيجده خرابا. كانت المدرسة خطرا والشارع خطرا ومركز العمل خطرا. عاشوا في الخطر. مساكين لبنانيو الحرب. عاشوا أهوالا كثيرة. كانوا بحاجة إلى الهرب وإلى أدوية الأعصاب.

    كل هذا كان قد تغير. كان لبنان طوال 14 سنة بعد الحرب غارقا في مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية تعانيها كل هذه البلاد التي ليست بلاد الغرب. لكنه لم يكن في حالة حرب. هل هو في حالة حرب الآن؟

    هو في حالة انتظار. لبنان، منذ الرابع عشر من شباط، ينتظر. يقفز من انتظار ليقع في انتظار. انتظار استقالة الحكومة. انتظار الحكومة الجديدة. انتظار اعتذار الرئيس المكلف الذي كان قد استقال قبل التكليف. انتظار تقرير لجنة التحقيق والتقصي. انتظار الانتخابات النيابية. عودة الجنرال. خروج الحكيم. لائحة الاغتيالات. الحكومة الجديدة. لجنة التحقيق الدولية. تقرير لجنة التحقيق الدولية. مصير رئيس الجمهورية. مصير لبنان وسوريا. انفجار. اغتيال. تظاهرة. انفجار. اغتيال... كلام عن شؤم في السماء. خوف من حرب أهلية. انتظار حرب جديدة. بلد على فوهة بركان. خبر عاجل. خبر عاجل. خبر عاجل.

    ... كل هذا التعب.
    <<اعطيني خمس دقايق بس اتسمع عالموسيقى>>.
    أكتشفه من جديد، عمل فيروز وزياد الرحباني <<ولاّ كيف>>. أنصت إليه. ثمة سماء واسعة لا أنتبه إليها إلا لماما. اتفرج على غيومها حين ينقطع التيار الكهربائي عن بيروت آخر الليل ولا يبدو الانقطاع مجرد عطل تقني. أتفرج عليها الآن وفيروز تغني. أيلول عاد. شهر الكآبة هذا لا ينفك يعود كل سنة في موعده. يأتي ببيروت تخصه وسماء تخصه وعطر هواء يخصه. يأتي بفيروز له وحده.

    <<بتذكرك كل ما تجي لتغيم
    وجك بيذكر بالخريف
    بترجعلي كل ما الدني بدها تعتم
    متل الهوا الي مبلش عالخفيف>>...

    متى كتب زياد الرحباني كلمات هذه الأغنية؟ في أيلول ربما. في لون ايلول الرمادي. كل هذا الجمال! أليس صوت الموسيقى أحلى من أصوات الانفجارات؟
    أليست فيروز أحلى من كل الأخبار؟ أليست كآبة ايلول أحلى من كل الانتظارات؟

    كل هذا التعب.
    لربما نحن بحاجة إلى أن ننام ريثما ينجلي كل شيء ونعود إلى حالة الخدر التي كنا نعيشها قبل 14 شباط. لربما نحن بحاجة إلى التوقف عن عادة الانتظار المقيتة. لربما نحن بحاجة إلى التخلي عن أدنى شعور بالحشرية تجاه ما يحدث..

    علينا أن نمتنع عن انتظار المجهول. علينا أن نمتنع عن التخوف مما سيأتي. علينا أن نصل إلى حيث صوت فيروز، فنستمع إليه. علينا أن نصل إلى حيث ثمة كتاب ممتع لنقرأه. علينا أن نسلي أنفسنا بأي شيء يمنعنا عن مجرد الانتظار. وفي انتظار أن تنتهي حالة الانتظار التي نعيشها، علينا أن ننتظر. نحن لن نجيد إلا الانتظار.

    وفي انتظار ما سيؤول إليه المجهول، ثمة سؤال أخير: ما اسم أدوية الأعصاب التي كان لبنانيو الحرب يتعاطونها أيام الحرب؟ أولئك المساكين؟
     
  3. Mada

    Mada
    Expand Collapse
    لحظ شآمية

    إنضم إلينا في:
    ‏18 آب 2006
    المشاركات:
    675
    الإعجابات المتلقاة:
    2
    ياأم الناس /جهاد بزي/السفير

    يا أم الناس
    جهاد بزي




    كأنها يد هائلة. لا تتعب. ترتفع عالياً وتهوي. تضرب على كتف الأم الجميلة. في كل ضربة يسقط مبنى، يتناثر غبار. يُسحق بشر. اليد تضرب وتضرب. من سيتعب أولاً يا أمي؟ من يستسلم أولاً، يد إسرائيل، أم ركبتاك؟ هل تركعين؟
    هذه عيادة محمد، طبيب الأسنان، إبن خالتي. على بقايا هذا الكرسي الذي أراه الآن من الشارع عذبني وعذبته، ووعدته مراراً بالعودة لمتابعة علاج اسناني، وخرجت ولم أعد.
    هنا بيت أخي. في مكان ما من من هذه التلة تقع غرفة سارة. لها وحدها غرفتها ولأشقائها الأربعة كلهم غرفة. أراها. الغرفة التي توضب فيها ألعابها وثيابها وكتبها وحكاياتها. إبنة العاشرة التي كتبت قصة بالإنكليزية وأرسلتها لي بالبريد الإلكتروني. المحجبة الحلوة كقمر. سارة التي تحمر خجلاً كلما سألتها أن تسمح لي بقراءة دفتر مذكراتها وترفض. دفتر مذكراتها هنا، في هذه التلة.
    هذا المبنى أعرفه. أسمع صوت أبي في أرجائه وهو يرتفع طابقاً طابقاً. اسمع أبو محمد ينادي على عماله ويشتم ويضحك ويمازح ويحوك المقالب. أحلى لحظات عمره حين يكون في الورشة، يشيل الأشياء ويحطها. يروح ويجيء حتى لو لم يكن هناك ما يفعله. يفاخر بأنه <المعلم> الذي لا مهندس ولا صاحب بناء يعرف كما يعرف. وكلما أخذني معه ولداً إلى الورشة كي يقسو عودي وأعرف معنى العمل، امضي وقتي أغسل يدي كلما لمست حجراً. ضجر مني ولم يضجر من عشقه للورشة. ابو محمد. ثلاثة ابنية رفعتها يداك في شارع واحد صارت ركاماً يا أبي. أرى الركام وأرى يديك فيها. يداك قويتان وما زالتا تصران على كباش إبنك طارق ذي العضلات المفتولة وهزمه. أعلم أن يديك أقوى من يدي إسرائيل يا أبي. يداك مباركتان. تبنيان.
    هل هدت الضربات كتفيك يا الأم الجميلة؟ هل ركعت؟ على هذه الشرفة كنت أمضي وقتي أنظر إلى تلك الفتاة وتنظر إلي. ساعات. تنتظر مني ولو إشارة يتيمة، وأنا لوح الخشب الخجول. لو نطق هذا الركام لحكى قصصاً عن خجلي. وحين لوحت لها بيدي، وضحكت ولوحت لي، كان قد آن الأوان لنعود إلى الصفير من نزوحنا القسري الطويل إلى حارة حريك. نجت الصفير من يد إسرائيل. المبنى الذي نزح منه أبي وأمي في الشهر الطويل لم ينج من اي من حروب لبنان. كان ابي قد رممه اخيراً. أعاده جديداً. وتفاخر بعمله حتى أتخمنا. خفت على هذا المبنى. فيه عمري. في مصعده وقفت على رؤوس أصابعي ومددت كل ساعدي لأطال زر الطابق الثاني. خفت على صندوق الصور التي كان ابي ينقذها في كل مرة يعود إلى بيته ويمشي فوق ركامه. الصور التي مزقت معظمها شظايا الحروب الماضية ومنها اجتياح .82 صندوق حياة هذه العائلة بخير. أنت بخير يا أم الناس. لم تركعي.
    هل ترينهم؟ هؤلاء يملأون عليك صباحك. يكنسون شوارعك. إبنك المرتبك يسجل اسمه متطوعاً ويعترف أنه لا يجيد أي عمل. طالب ثانوي يقول. أطفالك يلعبون بالكرة في الشارع الذي كنسوه للتو. أولادك يتزاحمون على التطوع من اجلك. خليط من كل أولادك. عادوا ليملأوا عليك حياتك. صاحب المتجر جلس على كرسيه امام محله المنكوب، كما كان يفعل يومياً. عاد وجلب عادته معه. عجقات سيرك عادت. ضجتك عادت.
    من أين لك هذا يا مدينة؟ من أين لك كل هذا؟ الرجل يجلس القرفصاء امام مبناه ليبحث عن بيته في الطابق الخامس. يصنع بسبابتيه دائرة وهمية تحيط <ببيته>. هذه الغسالة، يقول لمن معه ويضحك. ينفض كفيه ويقوم ضاحكاً. ليس مهماً. المهم أننا كدناها. كادوها. تعرفينها. دولة إسرائيل. أولادك كادوها. غبارك كثيف. لكن لا رائحة للموت فيك. ها الماء راح يجري فوق شوارعك وفي شرايينك. ستغتسلين من كل ما حدث. مر عليك الشهر وحدك فاعذريهم. لو بيدهم لحملوك على ظهورهم. الآن عادوا. هذا الغبار لن يطول. أنظري. آلاف الأكف تربت على كتفيك. آلاف الأكف تمسح على جرحك. فلا تحزني يا أم الناس، وابتسمي.
     
  4. jafra

    jafra
    Expand Collapse
    مهمّة..بس مسِمّة

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    2,434
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    مقال رائع و جهاد بزي صحافي ممتاز و اسلوبو كتير حلو
     
  5. Sawtak Archive

    Sawtak Archive
    Expand Collapse
    New Member

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    1,606
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    مقال: الحذر والحيطة مضاعفان في مسيرة هائلة تقع بين "شباطين"هي حكاية الحب من النظرة الأولى بين "حزب الله" وبين جماهيره



    جهاد بزي

    جريدة السفير اللبنانية-السبت 11/2/2006

    قبل أيام طُرق باب منزل في مبنى يقع في شارع "إده" في محلة "صفير". الساعة كانت الحادية عشرة ليلاً. سألت سيدة المنزل من خلف الباب المغلق عن الزائر فأتاها الصوت: "نحن من حزب الله ونعتذر عن الإزعاج". لم يطلب الصوت منها أن تفتح الباب. كان يريد أن يعرف الإسم الثلاثي لصاحب المنزل ومعلومات أخرى قليلة. وما لبث الصوت أن اعتذر ثانية وغادر متابعاً جولته في المبنى.

    صباح الخميس الفائت، رُكن كرسي بالقرب من بوابة المبنى نفسه تناوب على الجلوس عليه أكثر من شاب. ثمة لائحة مطبوعة تحمل أسماء اصحاب المنازل الثلاثية. وكان على أحد الداخلين إلى المبنى أن يخضع لامتحان صغير يؤكد معرفته بالقاطنين في البيت المذكور ومعلوماته حول تاريخ مجيئهم إليه. هذا قبل أن يفتش يدوياً ثم يسمح له بالمرور.

    موقف المبنى نفسه خضع لأكثر من تفتيش دقيق في الصباح نفسه وأثارت سيارة بيضاء ريبة شبان الحزب فطرقوا على الأبواب عند السادسة صباحا ليعرفوا لمن تكون.

    [COLOR=#000000]شارع إده يشبه نصف دائرة. المبنى يقع في القسم الأول منه، ويمتد ملعب الراية على طول النصف الثاني. في العاشر من محرم، كان الشارع في قلب مربع الحذر الأقصى. الشارع المقطوع عند طرفه الأول منذ ساعات الليل الأولى، توقفت في عرضه، وفي أكثر من نقطة فيه، حافلات نقلت المشاركين من المناطق البعيدة. مثل هذا التدبير يوحي بنوع واحد من الخوف: السيارات المفخخة.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]المبنى والشارع نموذجان لما كانت عليه مباني وشوارع الضاحية الجنوبية التي ستكون مسرحاً للمسيرة الحسينية. شرائط صفراء تمتد على جوانب الطرقات مانعة السيارات من التوقف. شوارع فرعية انتصبت أمامها الحواجز الحديدية. منصة في ملعب الراية تختفي تماماً تحت خيمة زرقاء هائلة تحجب عن العيون الطرق السرية التي سيسلكها موكب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. عناصر تضع على صدورها بطاقات تعرف بوظائفها من "انضباط" و"تنظيم" و"تشريفات"، وعناصر أخرى، أكبر سناً وأعلى مرتبة ومسؤولية، تقف بثيابها المدنية السوداء تراقب وتتحدث عبر الهواتف. عناصر مراقبة أخرى احتلت سطوح الأبنية، ترفرف بالقرب منها رايات صغيرة زرقاء لا تحمل أي شعار. رايات تخص المناسبة الأمنية ولا دخل لها بالمتظاهرين، لكن الأكيد أن لها علاقة بحماية أمنهم. شبان ينتقون عشوائياً متظاهرين ويفتشونهم، بعدما يكون هؤلاء قد خضعوا لأكثر من تفتيش عند نقاط الدخول إلى سيل المسيرة.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]الكلام أعلاه هو ما تراه العين المجردة من رأس جبل الجليد. أما الآلة المهولة التي تنظم دقائق أمور هذا النهار، وأمنه بالدرجة الأولى، فتبقى طي كتمان حزب الله، وهو حزب حين يأخذ أمراً ما على عاتقه، ينجح في تأديته على أكمل وجه، فكيف إذا كنا في الضاحية الجنوبية، في التاسع من شباط 2006، بعد أربعة أيام على مهرجان الجنون في الأشرفية وقبل خمسة أيام على اكتمال دورة العام المشؤوم...

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]لوهلة، فإن مثل هذه الإجراءات المعقدة التي تبدأ آلة الحزب العمل عليها قبل ايام من موعد المناسبة، تبدو مزعجة. لكن لمن؟ الحزب يلعب في "ملعب الراية"، اي على أرضه وبين جمهوره. وليس هناك فريق ضيف إلا الخطر الأمني. هكذا، فإن الحزب ينظم مسيرة لأبناء هذا الخزان البشري بالدرجة الأولى، ويعمل على حماية الجمهور نفسه من أي خطر محتمل. وأيضاً، فإن الصورة التي انطبع فيها شبان حزب الله منذ نشأته، صورة الشبان المتواضعين الشديدي التهذيب ما زالت هي الصورة ذاتها، بعد تجديد أجيال شبانه ونمو عددها باضطراد، وصورة المهذبين هذه هي واحدة من الأسباب التي جعلت الطائفة الشيعية تقع في غرام حزب الله من النظرة الأولى.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]يوم عاشوراء في الضاحية الجنوبية يبدو عبئاً على حزب الله في المقام الأول. وعلى ما يبدو، فإن أمر الخميس قال بمضاعفة الحيطة والحذر. ومن السهولة بمكان على عناصر تتمتع بانضباط لا نجد مثيله لدى قوى نظامية، أن تنفذ التعليمات بحذافيرها. وبخلاف الأساليب اللبنانية التقليدية في العمل، نحن نجد هنا شباناً من المستحيل أن يتخطوا حدود المهمات الذين أوكلوا بها.. ويكادون يضيقون ذرعاً بأي سؤال استفسار يوجه إليهم لكنهم يجيبون بأقل ما لديهم من كلمات، ويستخدمون أحياناً جملة أيقونية نادرة في القواميس العربية: "لا أعرف.. عليك أن تسأل في مكان آخر". هو عبء إذاً، لكنه عبء يفاخر به هذا الحزب. لذا، فإن السوال عن عدد المشاركين في اليوم العاصف الممطر سيجعل وجه أحد المنظمين مشرقاً ويجعل ابتسامته عريضة: خير الله...

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]خير الله الذي نزل من السماء، قابله فيض من البشر لا أحد يعرف متى أفاقوا واستعدوا ونزلوا إلى الشوارع. جادة هادي نصر الله ممتلئة بالناس منذ بداية تلاوة المصرع الحسيني، ثم هادرة بالبشر بعد نهايته. معظم ناس الضاحية في شوارعها. هو خليط هائل من البشر. شيوخ وأربعينيون يحملون اولادهم على اكتافهم وشبان ملتحون يوحون بالتزام ديني او شبان آخرون بقصات شعر توحي بالتزامهم الدقيق بالموضة وإن اقتصرت على اللون الأسود. أولاد وأطفال و.. ونسوة.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]من أين تأتي كل هذه النسوة؟ تأتي من أكثر من شارع فرعي يرفد جادة هادي نصر الله وتمشي في آخر المسيرة. إذا ما وقفنا في نقطة معينة، وبدأنا عد الدقائق من الدقيقة الصفر، فإن تدفق النسوة من شارع قاعة سيد الشهداء إلى الجادة سيستمر أربعين دقيقة كاملة. كذلك سيحصل، مع عدد مماثل من المشاركات، في شارع آخر مواز للأول.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]هن يتدفقن إلى جهتي الذهاب والإياب من الجادة. نهر من قماش أسود ومظلات ملونة. مشهدهن العام محجب، لكن في تفاصيل الصورة المئات من الشابات غير المحجبات اللواتي لففن أعناقهن بالكوفية الخاصة بالحزب بينما ارتدين ثيابهن اليومية. ولا يبدو عليهن أي شعور بالغربة في هذا المجتمع، بل يذبن فيه مثلهن كمثل من يرتدين العباءات. لا فرق.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]في الصورة المئات من غير المحجبات لا ينتمين إلى جيل محدد بدورهن، بل مراهقات وعشرينيات وصولاً إلى الأمهات منهن. وحين كانت السماء تفتح أبوابها بين فترة وأخرى، كانت مناصرات حزب الله العاديات والمحجبات يكتفين بالمظلات ويتابعن المسيرة التي وصلت إلى مشارف ملعب الراية بينما هن بعيدات، ما زلن في المشرفية. أما من تخلف من النسوة عن المسيرة فعدده كان كافياً ليملأ المساحة المخصصة له خلف الرجال في الملعب الموحل المرصوف بآلاف الكراسي.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]لم ينس السيد يوماً ان يشكر ناسه، لكنه، في هذه المرة أطال في كلمة الشكر لهم. بدا كأنما فوجئ بأنهم لبوا دعوته. الرجل متواضع على عادته. من المضحك أن يقال إن مثل هذا الحشد قد يفاجئ "السيد حسن". الرجل يعلم أن من المستحيل على جمهوره تخييب ظنه. يكفي أن يطلب ليلبوا. ومن ناحية اخرى، لا يبدو ان هؤلاء كانوا ينتظرون من السيد أن يشكرهم. أن يلبوا نداءه فليس هذا واجبا يشكرون على تأديته، بل حماسة للقاء سيدهم الشاب حتى في واحد من أسوأ أيام شباط. وهم يعلمون أيضاً ان السيد لا يخيّب ظنهم.. وأنه، إذا ما دعاهم إلى النزول جميعاً إلى الشارع، فسيكون قد أعد لهم ما استطاع ورجاله لحمايتهم من أي مكروه. لم يتخلفوا يوماً عن الموعد معه. هو الحب من النظرة الأولى. وحكاية الحب هذه ما زالت حكاية ناجحة.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]وهي، بالطبع، علاقة ثقة متبادلة.

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]لم يكن صوت السيد قد ارتفع حين اقترب ولد وصديقه يسألان عن وجهة طريق المطار. هما يقفان الآن في شارع إده على ضفاف ملعب الراية. يرتديان ثياباً سوداء ويضعان عصبتين كتب عليهما: "لبيك يا محمد". يجهلان المكان ويريدان العودة إلى بيتهما بالقرب من مسجد الرسول الأعظم. يمشي واحد منهما بعيداً ويظل الآخر ليستفسر. نسأله: لماذا تريد الذهاب الآن؟ ألا تريد أن تسمع "السيد"؟

    [FONT=Simplified Arabic
    ][SIZE=3][COLOR=#000000]"السيد مين؟.. السيد حسن؟" يسأل وقد فتح عينيه واسعتين. أجل، نجيبه، وسيحكي بعد قليل. وكمن أصيب بمس كهربائي، انتفض جسده والتفت حوله ثم هرول صوب صديقه ليخبره. الصبيّان مشيا مع حزب الله. وجدا نفسيهما في منطقة لا يعرفانها. كانا يريدان العودة إلى طريق المطار. ما إن علما أن السيد سيحكي حتى نسيا المطار... ونسيا طريقه.[/COLOR][/SIZE][/FONT]
    [/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/COLOR]
     
  6. KATYA

    KATYA
    Expand Collapse
    للارض هني رفاق

    إنضم إلينا في:
    ‏16 آب 2006
    المشاركات:
    2,483
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    كيف يكون وجه طفل شهيد في <بلدة المذبحتين>؟

    بواسطة: jafra

    تاريخ: 2006-07-31

    حين تصل السيارة إلى المفترق الذي يؤدي من صيدا إلى صور، تكون السماء قد انكشفت. الآن صرنا تحت تلك العيون الخفية في السماء. من بيروت إلى خلدة إلى الناعمة إلى المختارة فباتر إلى جزين في الجنوب لنصل إلى صيدا.. رحلة النصف ساعة من خلدة إلى صيدا تستغرق أكثر من ساعتين، مع أن السيارة تنهب الأرض. الرحلة تظل عادية هادئة، إلى أن نأخذ طريق صور من صيدا.. حيث سترافقنا السماء التي تهدر كثيراً.. وسيرافقنا الدمار.
    ستنقلب الصورة. حفر هائلة في منتصف الطريق، نمر عند طرفها الأقصى. سيارات مقلوبة. دمار يمشي إلى يسارنا وبحر يمشي إلى يميننا. ماذا الآن؟ نحن تحت عيونهم. معادلة الطائرة الخفية في السماء والسيارة المدنية على الأرض بسيطة وسهلة. إذا قرر الطيار أن يقتلنا فلا شيء سيثنيه. لذا عليّ الآن أن أفعل شيئاً واحداً: أن أقود السيارة.
    تنتهي الطريق في مكان ما، نلتف شمالاً وندخل في جبل من الغبار. طريق شقتها الحرب اضطراراً تمر في قلب منتزه بوابته مفتوحة. والتراب الأصفر في الأرض تثيره الدواليب فيطير ويصنع غيوماً تمنع الرؤية تماماً. امامنا يمشي باص كبير يقف فجأة لينزل منه رجلان يحملان اكياساً على اكتافهما. أفكر في المكان الذي نذهب إليه. إلى مذبحة يوم الأحد. الوقت الآن الواحدة ظهراً. اليوم سأرى جثثاً لأطفال بعيني المجردتين؟ لم أر مثل هذا من قبل. لم أقد سيارة تحت سماء يهدر الطيران فوقها من قبل. لكن المرة الأولى كانت سهلة. ماذا عن رؤية طفل قتيل؟ أيهما يخيف أكثر. الطائرة في السماء أم الطفل الميت على بعد أمتار مني؟
    نخرج من جبل الغبار ونعود إلى الطريق الرئيسي. الحواجز البلاستيكية التي تظهر في طريق وتختفي عن آخر هي التي تحدد رحلتنا. نصل إلى صور، ولا أعرف في اي قرى مررنا. لكن صور مهجورة. نبحث عن ناس فنجد عناصر جيش لبناني ملتحين ومتعرقين يجلسون في مدخل مبنى. نسألهم عن الطريق السالك إلى قانا. يدلوننا. نتابع. وفي الطريق الصاعد إلى بلدة المذبحتين، نلتقي بموكب كبير لقوات الأمم المتحدة يصعد بجرافة إلى حيث المذبحة. السماء باتت آمنة إذاً، لكن المجزرة تقترب.
    قانا منهوبة. بيوت صارت ركاماً. امضت القرية واحدة من أسوأ لياليها. سنعرف ذلك لاحقاً، حين يقال لنا إن تسع ساعات فصلت بين سقوط البيت على الأطفال وذويهم، وبين وصول أول سيارة إسعاف إليهم.. لأن الطائرات لم تهدأ للحظة كل الليل.
    <وين المجزرة؟>، سؤال لا يحتمل تأويلاً. القلائل الذين يقفون امام بيوتهم يشيرون إلى الطريق. نمضي. نصل طريقاً فرعية. ارتال سيارات للصحافيين ولقوات الأمم المتحدة متوقفة على جانبي الزقاق الضيق. المجزرة على بعد خطوات. ننزل من السيارة ونمشي.
    تأخرنا عن المجزرة. الصحافيون والعسكر والمسعفون كالنمل، ابناء القرية قلة. يبحث العسكر والمسعفون في ما تبقى من الطابق الأرضي حيث أمضى أطفال ليلتهم الأخيرة. ينكش العسكر في تراب يبدو صلباً. كأنما ينبشون مقبرة جماعية عتيقة. يشدون فراشاً. يسحبونه من تحت الركام، لكن لا أحد ينام مقتولاً عليه. البيت يقف عند حدود حي الخريبة في قانا. أمامه الوديان. لا جثامين هنا. امشي صعوداً.. إلى البيوت القديمة الحجرية المحيطة بالبيت المهدوم.
    أسمع هدير الطائرات وأرى حي الخريبة. هو ليس مجرد مجزرة. فيه عناقيد عنب تتدلى من عرائش. فيه ارض مزروعة بالتبغ الأخضر وعلى سطوحه تنتشر كسبائك الذهب شكات التبغ التي أيبستها الشمس. الحي الصغير تختلط فيه البيوت بالأرض المزروعة. وتختلط في البيت الواحد جدران الباطون وجدران الحجر الصخري القديم. والبيوت بعضها أبوابه مغلقة وبعضها مشرعة ابوابه. في داخل بيت تنتصب ناموسية بيضاء فوق سرير كبير.. وفيه براد بابه مفتوح وكل ما فيه تعفن. وفيه سجادة صلاة مطوية وفوقها قرص صلاة. وفيه دراجة بثلاثة دواليب. وفيه عربة اطفال. وفيه قرآن مفتوح على سورة الحديد. ليست صدفة أن يكون القرآن مفتوحاً على هذه السورة. يقال إنك إن فتحت الكتاب الكريم عليها، فإنك تحمي البيت من الدمار. في بيت ثان مفتوح الباب، القرآن مفتوح على سورة القدر.. في الباب الثالث المقفل المكسور الزجاج، ترتفع سورة الفلق فوق الجدار. في كل البيوت دراجات صغيرة وعربات اطفال. من بيت إلى بيت، من اين تنبت كل هذه الدرجات وعربات الأطفال؟ ربما تلفتني أكثر من اغراض البيت الأخرى. أراها. لكنني لا أرى ناساً. الحي الصغير من قانا نزح اهله. ومن بقي فيه اختبأ في الملجأ المهدوم ليلاً.. لا أحد بقي في حي الخريبة.
    نغادر قانا إلى مستشفى صور الحكومي. هناك أحكي مع محمد قاسم شلهوب. يعدد وأكتب الأسماء من بعده: حوراء، علي، يحيى، قاسم، زهراء. اسأله عن أعمارهم فيشير بإصبعه على الدفتر. تمشي إصبعه فوق الأسماء، وعند كل اسم يقول رقماً: .2 ,7 ,9 ,10 ,12 هذه عائلته. أمهم خديجة يونس راحت معهم. صار وحده.
    أعود إلى بوابة المستشفى. هناك تقف الشاحنة المبردة. المصورون الصحافيون يطلبون من عسكري يقف عند بابها المشرع أن يسمح لهم بالصعود إليها ويفعل. أمد يدي إليه ليرفعني. أقف عند باب البراد فأرى أجساداً ممددة على أرض الشاحنة ملفوفة بالقماش والنايلون. اسمع صوتاً من خلف مجموعة من المصورين المتحلقين يقول: <عمرها سنتان. انظروا>. أقترب. أرى يديه تعالجان أحد الأجساد. ربما هو يكشف عن وجه الطفلة. لكنني لا أرى منها شيئاً. لا أرى وجهها. فقط يلفح وجهي صقيع البراد، وتلفح وجهي تلك الرائحة.
    أقفز من الشاحنة من دون أن أرى وجه الطفلة المقتولة ولا وجه أي طفل آخر. ذهبت إلى قانا ولم أر بعيني المجردتين وجه طفل قتيل. أرتاح قليلاً. لكن تلك الرائحة تسحق عنقي.. هل هكذا تصير رائحة الأطفال حين يُقتلون؟

    جهاد بزي
     
  7. #7 jafra, ‏17 كانون الثاني 2007
    آخر تعديل: ‏17 كانون الثاني 2007
    jafra

    jafra
    Expand Collapse
    مهمّة..بس مسِمّة

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    2,434
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    عن العلاقة بين الشيوعي و اليسار الديمقراطي

    الموقف من حزب الله هو "شيطان التفاصيل" التي يعشقها "الرفاق"
    كيف يلتقي اليسار باليسار...و الاختلاف يفوق المشترك بينهما

    جهاد بزي
    في التاسع والعشرين من تموز، وفي خضم هجوم قوى 14 آذار على «خطيئة» «حزب الله» وعلى سلاحه و«ارتباطه السوري الإيراني»، نشرت صحيفتا «السفير» و«النهار» رسالة وقعها الياس خوري وزياد ماجد، وهما اساسيان في حركة اليسار الديموقراطي، عبّرا فيها عن ألمهما لما يقال في اوساط بعض قوى 14 آذار واعتبرا ان الاولوية الوطنية اليوم لمواجهة العدوان الاسرائيلي.
    تلك الرسالة لم يشعر بها، على الارجح، فريق 14 آذار حتى لو سقطت من اعلى نقطة ممكنة على ظهره. في قلب هذه المعمعة، هي مجرد موقف من مثقفين اثنين لا يحلان 14 آذار ولا يربطانه. قارئ واحد ستتجه إليه الأنظار: أمين السر لحركة اليسار الديموقراطي النائب إلياس عطا الله. عطا الله كان يشن الهجوم نفسه الذي يشنه حلفاؤه في 14 آذار. أكثر من ذلك، فإن الماركسية تحولت الى زاد مكّنه في التحليل والخطابة، من التفوق على حلفائه، حتى «الصقور» منهم. لم تكن الرسالة انشقاقاً في هذه الحركة التي ما زالت تأسيسية. كانت تريد تصويب الوجهة اليسارية الديموقراطية.
    رسالة عتب هي ما استطاعه القياديان اللذان قررا ان ينشراها بعدما خاضا نقاشات في موقف الحركة. ولما كان مسموحا لمن في الحركة ان ينشر، ولما رأيا أن إضافة اسماء يساريين ديموقراطيين أخرى إليها قد يوحي بأن الحركة تنشق فعلا، كتبا ووقعا ونشرا... وحدهما.
    في المقابل، كان الحزب الشيوعي اللبناني، يدعو محازبيه واصدقاءه الى الاستلهام من تجربة جبهة المقاومة الوطنية في العام ,1982 هو الذي بدا منذ اليوم الأول يخوض الحرب كتفاً الى كتف مع حزب الله، بما استطاع الى ذلك سبيلاً.
    حزب الله
    لم يتردد الحزب الشيوعي في التفكير إذاً. قبل الحرب كان يقترب بهدوء وثقة من تفاهم بين حزب مقاوم، وبين تيار يدعو إلى العلمنة. المقاومة والعلمنة ركنان اساسيان عند الحزب العتيق. وحزب الله عدو بالفطرة للولايات المتحدة الأميركية. غض الحزب النظر عن الحالة الطائفية. هذا نقاش آخر. لم يعد باستطاعة الشيوعيين مقارعة طواحين الهواء. ثمة تنازلات لا بد منها، لكنها لن تكون فاقعة. الحرب ونتائجها جعلت الحزب الشيوعي يتخلى عن كل ما تبقى من حذر.
    في الذكرى الثانية والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي، وقف امينه العام خالد حدادة ليشن أشرس هجوم على قوى 14 آذار، معتبرا ان تبريرهم للعدوان الاسرائيلي او محاولة توظيفه او تحميل مسؤولية وقوعه لحزب الله والتلويح بمحاسبته على اسر جنديين اسرائيليين، «ان كل ذلك هو بالمنظور الوطني جريمة وطنية تلامس الخيانة، لأنهم بالأصل يعرفون أسباب العدوان واهدافه».
    قوى 14 آذار خائنة في رأي الحزب الشيوعي. اليسار الديموقراطي واحد من هذه القوى، وزياد ماجد، نائب امين السر لليسار، أحد أشد الأصوات هدوءاً في 14 آذار، يتحدث لـ«السفير» عن الخطأ الذي وقعت فيه هذه القوى ويقول إن كلامه يعبر عن رأي شخصي وليس عن موقف للحركة: «اعتقد أن 14 آذار أخطأت في مكانين:
    أولاً، الحرب ليست كالسياق السياسي الذي يسبقها. هي لحظة التوتر الاقصى وما يصلح قبلها لا يصلح خلالها. أي أننا إذا كانوا قبلا يحذرون من ان سلاح حزب الله يخيف الطوائف المتبقية ومن الممكن ان يدفعها نحو مغامرات او رهانات او تسلح، وان هذا السلاح من الممكن ان يسبب حرباً، فإنه، عندما وقعت هذه الحرب، لم يكن يفترض بهم ان ينسوا هذا الخطاب، وان يقولوا أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكن كان يجب البدء برؤية المتغير الذي هو العدوان الاسرائيلي على البلد. حزب الله اطلق شرارة الحرب بمعزل عما اذا كانت محضرة او غير محضرة. كان من المفترض على اكثرية قوى 14 آذار أن تقف أمام انكشاف الوضع في لبنان على هذه الحرب وانكشاف هشاشة العلاقة اللبنانية الاميركية.
    ثانيا، إذا التقينا لاسباب مختلفة مع الاميركيين الذين انهوا تفويض السوريين في البلد ونحن نريد اخراج السوريين منه، فهذا لا يعني ان اصطدامنا بحليف اميركا الاول في المنطقة، أي اسرائيل، إبقاء الغطاء الاميركي موجوداً. هذا يفترض اعادة نظر بطبيعة الخطاب تجاه الاميركيين. ليس الشتم بل يمكن أن تكون هناك مقاربة علمية يقرأ فيها أن الموقف الاميركي سيبقى عنصراً مغطيا لاسرائيل. هذه كانت تتطلب موقفا واضحا من الاميركيين، وما يقولونه الآن انهم ضد المحور الاميركي الغربي كما هم ضد المحور السوري الايراني، كان من الممكن قوله في اليوم الاول للحرب بصوت اعلى كثيرا».
    ما يرَه حدادة رهاناً على المشروع الأميركي يسمِّه ماجد ارتباكاً وقع في الايام العشرة الأولى. يقول: «كان يفترض ان يكون هناك شعار واحد: وقف العدوان الهمجي الاسرائيلي. نقطة على السطر. ولم يكن هناك ضرورة لتأخير المطالبة بوقف العدوان ولا القول بان وقف اطلاق النار ينبغي ان يرافقه انتشار قوات دولية او جيش لبناني.
    لم يكن بامكاننا القول ان لا علاقة لنا بما يحدث. ربما لم يكن لنا علاقة بقرار الحرب، لكن لنا علاقة بشعبنا الذي يُقصف. لا نقدر على القول اننا جزيرة ولا نريد ان نكون ساحة. نحن جزء من الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي بيان البريستول الذي اسس لحركة 14 آذار، قبل ان يستشهد الرئيس رفيق الحريري، هناك مقطعان واضحان عن موقع لبنان في الصراع العربي ـ الاسرائيلي وعن دعم القضية الفلسطينية وان لا حل في المنطقة من دون حل عادل، ورفض كامل لاتهام حزب الله بالارهاب وحمايته واحتضانه، مقابل ان يبحث موضوع السلاح. كان يفترض التركيز على مثل هذا الكلام، أي عدم ترك أي حجة لحزب الله للقول إنه في الداخل لم يكن هناك جبهة متماسكة ضد اسرائيل. هذا لن يكون دعماً لحزب الله، فمن حق قوى 14 آذار وجمهورها ان يكونا غير داعمين لحزب الله في السياسة، لكن موحدين بشكل حاسم ضد اسرائيل.
    من هذا المنطلق، يقول ماجد، «نشرت رسالتي مع الياس خوري، لأنه برأينا لم يكن الخطاب كافيا في وضوحه». لكن ماجد يقول الآن، وقد انتهى العدوان: «المطلوب من حزب الله ان يقدم كشفاً كاملاً عن كل ما حدث. عن الوضع الذي نشأ عن الحرب وكل هذا القلق الحالي وكل الاضطراب ضمن جمهور حزب الله وضمن بقية الطوائف وكل الاستدراج الذي يحصل للتحكيم الخارجي. من المسؤول عنه؟ هل يستوي في المسؤولية المسلح وغير المسلح. برأيي ان المسلح في بلد مثل لبنان يتحمل المسؤولية الاعلى. في 14 آذار هناك من له علاقات خارجية لكنه ليس مسلحاً، أي لا يستطيع فرض خياراته الاستراتيجية على البلد».
    ثمة خطابان يساريان حول الحرب يهرولان بعيدا عن بعضهما البعض. واحد يبارك شرارتها وآخر يريد كشف حساب عنها. في لحظة التباعد المتبادل، يطرح حدادة استنهاض قوى اليسار.
    وحدة اليسار
    ليس من يساريين يختلفان على ثالوث الأمين العام للقاء اليساريين: مواجهة المشروع الأميركي الاسرائيلي، والتغيير الديموقراطي لبناء الدولة العلمانية الديموقراطية السيدة والمستقلة والتنمية الاقتصادية الاجتماعية.
    الشيطان يكمن في التفاصيل، والرفاق على اختلاف مشاربهم يدمنون الخوض في التفاصيل. ماجد يقول إن «هناك مجالا للحوار مع كل الناس. لكن الدعوة للحوار لها شروطها. عندما تموضع نفسك وتقول إن الطرف الآخر لا علاقة له باليسار، فلماذا تعود فتدعوه الى النقاش؟ يقال إن حركة اليسار الديموقراطي ملحقة بالطوائف والاميركيين فلماذا الدعوة الى الحوار؟ لا يجوز ان تكون هناك تصنيفات يقال بعدها نحن ندعو وأيدينا مفتوحة. وهذه الأبوية في الدعوة ليست الطريقة الانسب على الرغم من ان النوايا قد تكون جيدة. لكن يجب ان يكون هناك اطار ما للخطاب تخرج منه لغة التخوين».
    كيف يمكن ان يلتقي اليسار اللبناني إذاً؟
    يجيب ماجد: يمكننا ان نتعاون في القضايا المطلبية وفي حملات من اجل العلمنة وقانون الاحوال الشخصية واصلاح النظام الضريبي وبلورة رؤية مشتركة للصراع العربي ـ الاسرائيلي. لكن المشكلة تكمن في أن هناك خيارين اساسيين بين طرف متحالف مع 8 آذار وطرف آخر متحالف مع 14 آذار، وهناك تناقض بينهما في قراءة وضع البلد. نحن نقول ان السلاح ينبغي ان يكون مع الدولة فقط بينما الطرف الآخر يقول ان لا مشكلة لديه في ان يكون السلاح مع طائفة معينة، وهو نفسه لا يترك كلمة ولا يقولها في الطوائف ويقبل ان تكون احدى الطوائف مسلحة. من المفيد ان يتعاون اليسار على القضايا المشتركة ويتنافس على ما يختلف عليه».
    لا يمكن الالتقاء عند العناوين. تفاصيل الخلاف جوهرية. لنا ان نتخيل الرفاق وقد جلسوا إلى طاولة حوار، وفتحت الجلسة بالعنوان الأول: الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ورنت كصوت الإبرة تلك الكلمة الأثيرية: حزب الله. لنا ايضاً، من وحي هذه الكلمة، التصرف بعبارة لأمينه العام: إن اللقاء بين اليسار واليسار بعيد بعيد بعيد حتى ينقطع النفس.

    http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1583&EditionId=541
     
  8. jafra

    jafra
    Expand Collapse
    مهمّة..بس مسِمّة

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    2,434
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    مقاربة رائعة لجهاد بزي عن العلاقة بين الحزب الشيوعي و حركة اليسار الديمقراطي:thumbsuppp: ​
     
  9. Dareen

    Dareen
    Expand Collapse
    «French kiss the morning»

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    20,158
    الإعجابات المتلقاة:
    209
    يعني بعيدا عن الموضوع حبيت الفت النظر لنقطة ... انو بحس زياد ماجد لليسار الديمقراطي
    متل غازي العريضي للحزب الأشتراكي ...
    وانا أحترم الأثنين .
     
  10. العقاب الحيدري

    العقاب الحيدري
    Expand Collapse
    نصر الله والمتوسط قريب

    إنضم إلينا في:
    ‏16 آب 2006
    المشاركات:
    15,707
    الإعجابات المتلقاة:
    15
    غازي العريضي كنت حسو افخم وزير بالتاريخ
    بس كرهتو من ورا اعمالو
     
  11. red revolution

    red revolution
    Expand Collapse
    New Member

    إنضم إلينا في:
    ‏6 أيلول 2006
    المشاركات:
    748
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    عندما يعود الرفاق في اليسار الديمقراطي الى عقلانيتهم سيعودون الى الحزب الشيوعي وهناك الكثيرين ممن تركوا الحزب الى حركة اليسار ومن ثم عادوا
     
  12. jafra

    jafra
    Expand Collapse
    مهمّة..بس مسِمّة

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    2,434
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    معك حق دارين في كتير اشخاص باليسار الديمقراطي محترمين متل زياد ماجد و الياس خوري و الشهيد سمير قصير كما انو في عدد من المنتسبين لليسار الديمقراطي من الشباب كمان محترمين
    انما العلة بالياس عطالله و بيلي دايرينو
    و بالمناسبة غازي العريضي كنت احترمو قبل اما هلق لا احترام و لا يحزنون
     
  13. Dareen

    Dareen
    Expand Collapse
    «French kiss the morning»

    إنضم إلينا في:
    ‏15 آب 2006
    المشاركات:
    20,158
    الإعجابات المتلقاة:
    209
    غازي العريضي جوكر للحزب الأشتراكي ... بس يا خسارة هني مش عارفين قيمته ودايرين ورا زعامات وبكاوات ...
    بغض النظر بتوافقة على منهجه او لأ انسان مثقف ... بيفهم يحكي ويدير الحديث والمجادلة والنقاش .. ان كنت معو او ضده ...

    عذرا شتينا عن الموضوع .
     
  14. Scouts1

    Scouts1
    Expand Collapse
    New Member

    إنضم إلينا في:
    ‏16 آب 2006
    المشاركات:
    1,529
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    اعتصام المعارضة في شهره الثالث - دورة حياة مكتملة لمخيم «كشفي» فوق إسفلت الوسط

    اعتصام المعارضة في شهره الثالث
    دورة حياة مكتملة لمخيم «كشفي» فوق إسفلت الوسط


    [​IMG]
    يلعبون كرة قدم في ساحة الشهداء (عباس سلمان)

    جهاد بزي

    يعمل طوني على تغذية «الصوبيا» بالحطب. جو وناهي يلعبان بورق الشدّة. ليسا في بيت في الجبل. هما في خيمة منطقة الأشرفية التابعة للتيار الوطني الحر. إلى يمين الخيمة تمتد تلك الأبنية الملوّنة الخلابة: الصيفي. إلى يسارها تنفلش الخيم، واحدة بعد أخرى، بالمئات. من كل الأحجام. يغلب عليها اللون الأبيض. تصل الى حديقة جبران وتدور بترتيب حول التلة التي تتوسط الحديقة. الوقت غروب. وبينما جو وناهي يلعبان الورق، يشمر عشرات الشبان في الشارع القريب عن سواعدهم. يتوضأون استعداداً للصلاة. الاعتصام صار في شهره الثالث. مرّت عليه عواصف السياسة والطقس معاً. الجولة فيه تقول إنه قام ليبقى ما احتاج من وقت، وتقول أيضاً إن دورة حياته الخاصة قد استقرت على شكل خاص بها. دورة حياة لا تشبه في شيء وسط بيروت الذي كان قبل الأول من كانون الأول.

    ناهي يأتي الى الاعتصام متضامناً مع أصدقائه. الأهداف تعنيه. ينام في الخيمة الكبيرة المضاءة بأنوار الكهرباء أحياناً. جو يرابط في المكان منذ الليلة الأولى. يعمل مصوراً حراً. يؤدي الاعمال التي تأتيه، وحين ينتهي منها يعود إلى المخيم. الى متى هو مستعد للبقاء هنا؟ «إلى ما يتطلب الشأن»، والشأن هو قبول السلطة بمطالب المعارضة. «الصعب مرّ» يقول، أي الشتاء، «وشتاء بيروت ليس كشتاء أوكرانيا. هناك كانوا يعتصمون في درجات حرارة تحت الصفر».

    ابن الاشرفية، في اختلاطه المكثف والطويل بالأطراف الأخرى، تعرّف على الآخر. على الدين والعادات والتقاليد. غير أن «الاكتشاف» بالنسبة اليه هو «حزب الله» بالطبع. مفاهيم الحزب مختلفة عما كان في ذهن جو. «لا يريد الحزب تحرير القدس والجولان. منطقه داخل حدود الوطن وليس خارجه». ثم.. «عرفت أنهم لا يسمعون الموسيقى لأنها حرام».. جو يقول إن الخيمة تمتلئ كل ليلة بأكثر من ثلاثين شاباً. إذا ما قرر هؤلاء احتساء الكحول، فهم يفعلون ذلك داخل الخيمة، احتراماً لمشاعر حلفائهم.

    عناصر الانضباط المنتشرون عند كل النقاط الحساسة ليسوا منشغلين بالموسيقى بطبيعة الحال.

    حزب الله يحمي المخيم برمّته. وعلى عادة شبانه فهم موجودون في كل مكان. يجلسون حاملين الأجهزة اللاسلكية يراقبون يساراً ويميناً. هذا المخيم منظم بدقة. هناك خرائط للخيم المنتشرة في الساحتين. والخيم تعرف بأرقام وحروف، بحسب المناطق المقسمة الى مربعات مرقمة بدورها.

    خيم مضاءة ومجهزة بمدافئ الغاز، وخزانات المياه العملاقة والحمامات المتنقلة تنتشر في أكثر من زاوية. النظافة، بين الخيم وفي الشوارع، لافتة للنظر، تماماً كما الأراكيل العامرة معظم الوقت.

    عند موقف السيارت المواجه للعازارية. يقف مراهقان ورجل اربعيني يرتدون الأسود. هم من بعلبك.
    يقول الرجل إنه باق هنا. «هو واجب وطني وديني، وأنا فلاح، والمواسم بارت. شو ما زرعت ما بيطلع. ولا طرقات والمازوت غالي والبنزين غالي». في كلامه، يختلط العام السياسي بالخاص الذي يعنيه من حياته، ويحمل الدولة وزر النسيان الدائم للأطراف. علي، طالب المدرسة، يخفي عصا خلف ظهره في قلب قميصه. بعد الشائعات عن «اعتداءات من 14 شباط» قرر البعض التجهز بالعصي. لكن لا سلاح هنا، على ما يقول الرجل، فالسيد قال إن الاقتتال حرام. جو كان قد قال عن الجنرال يمنع السلاح. كلاهما، جو وعلي، يقولان إنهما لن يعتـــديا على أحد. لكن، وفي حالة الدفاع عن النفس، فالإجابة واحدة عندهما: «سندافع عن أنفسنا».

    ضوء مسلّط

    مع نهاية تظاهرة الأول من كانون الأول، انتصبت الخيمة الأولى ملاصقة لحاجز الجيش اللبناني الذي يقطع الطريق الصاعدة إلى السرايا الحكومية. يومها قال أحد الشبان عبر المذياع ما معناه أن البقاء في المكان سيطول، «فاجلسوا يا شباب». وجلس الشباب. اليوم، وعلى بعد عشرات الأمتار عن الحاجز الشائك، يقف عنصر انضباط في كشك للجيش اللبناني. مراهق نحيل منضبط تماماً ومن المستحيل جرّه إلى أي حديث ممكن. إلى جانبه يقف شاب أكثر مرونة. يقول إنه عاد إلى المخيم منذ ثلاثة أيام. طالب في السنة الثانوية الأخيرة. يقضي وقته «مع الشباب». و«إذا كان عندي حرس أحرس». ويشير إلى السرايا: «ننتظر أن ينزل». هل سينزل؟ «لازم ينزل».

    هذا واحد من مئات شبان حزب الله الذين يملأون الخيم والشوارع. النقاش في تراجعهم وضجرهم وغيره صعب. هم باقون ما دام القرار السياسي ببقائهم قائماً. وهذه ليست حياة شاقة تماماً. خيم مجهزة عالية اجتازت امتحان الأمطار، وشاشات تلفزيون وافران غاز وحطب وفرشات نوم واغطية تعرض لأشعة الشمس نهاراً. مخيم كشفي هائل في وسط البلد.

    مع انتهاء ذكرى عاشوراء، بدأ النشاط اليومي يعود من جديد إلى المخيم. ساحة الشهداء كانت اول من امس خالية تماماً. في المقابل، ومع نزول الشمس، سلط ضوءان عملاقان على السرايا، وبدا الناس بالتجمّع في ساحة رياض الصلح، بالعشرات، جلّهم من المراهقين. تجمع الشبان حول المنصة الرئيسية وقد صعدت إليها فرقة الإسراء التي وعدت «بأجمل الاناشيد الوطنية». ومع انطلاق الاناشيد المتاشبهة لحناً وكلمات، انتشر العشرات من المراهقين في قلب الساحة التي ارتفعت فوقها خيمة عملاقة وراحوا يدخنون النارجيلة.

    ليس بعيداً عنهم، ثمة سوق صغير شعبي. فيه تجد الشاورما والكعك والمشروبات على أنواعها، وحاجيات المعارضة من أعلام وصور وغيرها في منصات تقف أمام فانات صغيرة. تكتمل بالسوق الدورة الجديدة للحياة في هذا الوسط الجديد للبلد في شهره الثالث، وكل ما فيه يقول إنه مستعد للبقاء زمناً طويلاً. أما السرايا، ففي مكانها. صامتة وخاضعة للضوء الساطع المسلط عليها كل ليلة.
     
  15. Wiseman

    Wiseman
    Expand Collapse
    سنكمل الحياة..رغم كل شيىء

    إنضم إلينا في:
    ‏26 أيلول 2006
    المشاركات:
    17,788
    الإعجابات المتلقاة:
    317
    لو كان أمري «رهن أمري» اهديك عمري...

    [​IMG]


    كتبه :: جهاد بزي - 11/05/2007

    قبل ان تقرأوا اربطتم بين شبه هذا الشاب واحد ما؟؟؟

    الإزدحام يخبئ الطاولة التي يتحلق حولها الناس. ازدحام يثير فضول المارين بالقرب من منصة «دار الهادي» في معرض المعارف للكتاب في الضاحية الجنوبية، مساء أمس
    «من هو الذي يوقّع؟» يمكن الإستمتاع بلعبة الاجابة على السؤال والتفرج على ردة فعل السائل: «جواد حسن نصر الله، ابن السيد». في كل مرة يكتشف السائل موقّع كتاب الشعر «حروف مقاومة» ستتكرر ردود فعل كهذه: يرتفع حاجبا المراهق عاليين ثم يقف على رؤوس اصابعه ليرى «ابن السيد». يضحك كل وجه السيدة المحجّبة وتقول: الله يحميه. عنده ضحكة السيد. ليك العجقة. عم يتباركه..»
    المراهقات المحجبات اللواتي يتجمعن في حلقات متراصة بخجلهن المعهود، ينظرن اليه ويتهامسن ضاحكات. والفتاة التي حملت الكتاب اليه ليوقعه، كانت يداها ترتجفان وهي تلتقط الصور له، وهو ينظر في العدسة بصبر.
    الشاعر من نوع مختلف. خلفه يقف حارس شخصي وبقربه يقف موظف من الدار يطبع على الصفحة الأولى من الكتاب ختماً يترك إهداء واحدا للجميع: «مع خالص الشكر واطيب المنى بحياة ناجحة وصحة دائمة وسعادة الدنيا والآخرة». ويكتفي جواد بوضع اسم المهدى اليه والتوقيع تحت هذا الاهداء الاشبه بالدعاء.
    إحتفاء الناس به كان هادئاً، على العكس بالطبع من اطلالات والده. وهو، في انهماكه بالتوقيع وخجله، تحدث الى «قناة المنار» عن قصائده التي سقطت تحت ركام بيته وانقذ بعضها بينما اتلف البعض الآخر.
    كتابه بالغلاف الاحمر يقع في ثمانين صفحة. يبدأ باهداء الى والدي ووالدتي... ثم «شكر من القلب الى أجمل أب»: لأنك اول من شجعني وقرأ ما كتبته على بساطته وصحح بحسه العالي الرفيع بعض الكلمات لتدل على قلب المعنى. فشكرا لأنك ملهمي وشكرا لأنك والدي وشكرا لانك قائدي. تعلمنا يوما بعد يوم معنى الحياة وجمال انفسنا. معنى الانسانية وحب الاوطان. تدلنا بكل تفاصيلك وحكاياتك على الطريق التي تأخذنا نحو المحبوب الاقدس لتزاد الارواح به سموا وتألقاً. شكرا ايها المتربع على عرش القلوب.
    الكتاب في معظمه شعر عمودي0 يهدي جواد قصائده الى الشهداء والاسرى العائدين وفوارس المقاومة الاسلامية وابطال الانتفاضة. وثمة قصائد عنوانها علامات استفهام استعان بذاكرته كي يكتب بعض ابياتها وتنقطع بعبارة: باقي الابيات تحت ركام منزلي.
    يهدي جواد قصيدة اميرة قلبي إلى أمي الحبيبة «أم هادي». ويعود الى السيد نصر الله بقصيدتين اخريين: «يا سيدي»، يهديها الى «سماحة الامين العام السيد ابو هادي» هذه قصيدة عامة. الأخرى الخاصة به والمهداة إلى ابي الحبيب السيد ابو هادي فعنوانها: يا أطيب الناس. يقول له: لو كان أمري «رهن أمري» اهديك عمري...
    ليس في الكتاب قصائد من تلك التي يصدرها شعراء جيله. نحن أمام لغة مختلفة تماماً باختلاف شاعرنا عن هؤلاء الذين يقعون في الطرف الآخر المضاد في معظم المفاهيم. وثمة نفس إنشادي واضح يشبه الى حد ما القصائد التي تؤديها مغناة فرق مثل الاسراء والولاية. وإذا كان هناك من تقييم لشعر الشاعر بعد ديوانه الأول، فمن المفترض أن يأتي من هواة النوع، أي من جمهور حزب الله.
    الشاعر كان نجم مجمع سيد الشهداء أمس. سرق بعضاً من أضواء أبيه. حول وسامته تهامست الفتيات. لن يصافح أيّاً منهن بطبيعة الحال. لكن كثيرات منهن تصوّرن الى جانبه. لا نحكي عن محجبات فحسب. المعجبات بالشاعر، من غير المحجبات المتأنقات بشدة، وقفن في الصف أيضاً وواحدة منهن أهدرت كامل ذاكرة هاتفها الخلوي في التقاط الصور له. معجبة؟ ربما. لكن الشاب الذي يتم السادسة والعشرين من عمره في 24 أيار المقبل، متزوج، وزوجته كانت تقف بعيداً الى يمينه، كما أفلتت طفلته الصغيرة اليه تعانقه منادية إياه باسمه الأول.
    على اي حال، لم يكن جواد مساء أمس، شاعراً فحسب. كان ابن السيد. غلبت هذه الصفة عليه. والناس في توقهم الى رؤيته، أصطدمت أكتافهم بمراهق يرتدي قميصاً رياضية بيضاء يلتقط الصور. في لهفتهم الى التمعن في ملامح جواد، لم ينتبهوا الى الشبه الكبير بين هذا المراهق بالقميص البيضاء وبين الشهيد هادي حسن نصر الله. ولم يعرف أحد ان هذا الشاب هو محمد علي حسن نصر الله، نجل السيد أيضاً.

    - جريدة السفير .

    منقول من وعد

     

مشاركة هذه الصفحة